أراء ورؤىرئيس التحرير

مضيق هرمز .. اقتصادات تخسر.. وأمريكا تكسب.. كيف؟

بقلم :

محمد محمود عثمان

  تأثيرات  مضيق هرمز الاقتصادية  مكاسب للبعض وخسائر للآخرين   حيث يضغط  المضيق على اقتصادات دول  الخليج وإيران وآسيا وأوروبا، لكنه يفتح أمام الولايات المتحدة مكاسب اقتصادية واستراتيجية، حيث إن الاستفادة الأمريكية ليست بالضرورة من «إغلاق المضيق» في حد ذاته، بل من النتائج التي يولدها اضطراب المضيق.

وهنا قد تكون الولايات المتحدة  هي المستفيد الأول، ليس لأنها تريد إغلاق هرمز، بل لأن اضطراب المضيق يمنحها فرصة لتوسيع دورها في سوق الطاقة وفي أمن الممرات الدولية معاً.

وكذلك فتح المجال أمام إعادة توزيع النفوذ؛ فالدول التي تستطيع توفير الطاقة والحماية معاً ستكون صاحبة التأثير الأقوى في القرار الدولي وعند إعادة رسم خريطة المنطقة أو الشرق الأوسط الجديد

وقد واكب ذلك تكرار الرئيس ترامب الإعلان – مازحا أو صادقا –  بأن مضيق هرمز أرضا أمريكية ، وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للممر، الذي يمثل نقطة عبور رئيسية لصادرات الطاقة العالمية،  في إطار المصالح الأمريكية غير المعلنة أو المعلنة على مرأ ومسمع من إيران ومن  الدول العربية والخليجية  صاحبة الحق في المضيق والخليج المرتبط به

ويأتي التصعيد الأميركي بينما تسعى أطراف إقليمية، بينها سلطنة عُمان، إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين واشنطن وطهران، لاستئناف الحوار والمفاوضات في محاولة للتوصل إلى ترتيبات تسمح باستئناف الملاحة بصورة أكثر انتظاماً وتخفيف التوتر حول المضيق ، الذي تتصاعد حينا وينخفض أحيانا

واستثمار ذلك في جني الثمار الاقتصادية  لأمريكا فعندما توقفت أو  تعطلت صادرات الخليج، بحث المستوردون الآسيويون  والأوروبيون عن مصادر بديلة، وهنا تظهر الولايات المتحدة باعتبارها من أكبر منتجي ومصدري الطاقة في العالم .

وقد أكدت  وكالة الطاقة الدولية أن نمو إنتاج الغاز المسال من أمريكا الشمالية ومناطق أخرى عوّض جزءاً كبيراً من تراجع إمدادات الخليج.،أي أن الأزمة تحوّل جزءاً من سوق الطاقة الذي كان يمر عبر الخليج إلى سوق يخدم الاقتصاد  الأمريكي،فعند ارتفاع سعر النفط إلى مستويات تقارب 90–95 دولاراً للبرميل فهذا رفع تكلفة الطاقة على المستهلكين، لكنه في الوقت نفسه يحسن إيرادات شركات النفط والغاز الأمريكية.

وهنا تتضح المفارقة  لأن دول الخليج تبيع نفطاً أقل بسبب صعوبة التصدير، بينما المنتج الأمريكي يستطيع بيع طاقة أغلى في سوق يبحث عن البديل  المفروض عليه،مع أن  الولايات المتحدة أيضاً مستورد لبعض أنواع النفط، وارتفاع أسعار الطاقة يرفع تكاليف الاقتصاد الأمريكي. لذلك فالمكاسب الأمريكية استراتيجية أكثر منها مكسباً  للاقتصاد الأمريكي الكلي وتحصل  واشنطن بذلك  على ورقة ضغط قوية  على أوروبا وآسيا رافعة شعار من يملك الطاقة  يتحكم في العالم، حيث  أصبح أمن الطاقة الآسيوي والأوروبي مرتبطاً أكثر بالإمدادات الأمريكية، وأصبحت واشنطن ليس  منتجا للطاقة فقط ، بل طرفاً أكثر تأثيراً في أمن الطاقة العالمي، لتتشابك  أطراف المعادلة عندما يحتاج الخليج إلى حماية الممرات ، وآسيا  تحتاج إلى الطاقة وأوروبا  تحتاج إلى بدائل وأمريكا  تستطيع توفير جزء من البدائل والحماية معاً ، ليصبح مضيق هرمز ممرا ومعبرا إلى إعادة توزيع للنفوذ الاقتصادي والاستراتيجي  في المنطقة

وتشير تقارير اقتصادية إلى أن شركات الدفاع والطاقة والمؤسسات المالية  خاص  الأمريكية كانت من أبرز المستفيدين من اضطراب الأسواق المرتبط بالحرب ، وبالتالي فإن واشنطن لا تبيع النفط والغاز فقط؛ بل تبيع أيضاً الأمن الذي أصبح النفط والغاز بحاجة إليه ،وإذا أصبح المرور عبر هرمز محفوفاً بالمخاطر، فإن الدول الخليجية أمام معادلة صعبة إما أن تدفع تكلفة ضخمة لبناء منظومة أمن إقليمية مستقلة، أو تعتمد بصورة أكبر على المظلة الأمريكية ،  لذلك فإن ارتفاع كلفة البديل وهو المنظومة الأمنية  يجعل «الحماية الأمريكية» أكثر قيمة

وكلما أثبتت أزمة هرمز  أن الخليج لا يستطيع ضمان أمن ممراته وحده، ارتفعت قيمة الوجود العسكري الأمريكي الذي أصبح الطرف الذي لا يستطيع الخليج الاستغناء عنه في تأمين طريق النفط، حتى وإن كانت هناك خسائر اقتصادية  لأمريكا  من استمرار الأزمة بسبب التضخم وارتفاع أسعار الوقود وتكاليف النقل ،ومع ذلك فإن أمريكا تفضل حالة الاضطراب في المضيق بدلا من  إغلاقه لفترة طويلة تضر بمصالحها

ولهذا فإن المصلحة الأمريكية المُثلى قد تكون في مضيق مضطرب ولكن قابل للإدارة والسيطرة  وليس مضيقاً مغلقاً بالكامل ، وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدا لأن فتح هرمز بالكامل يقلل الحاجة إلى النفط والغاز الأمريكي البديل ويخفض قيمة المظلة الأمنية الأمريكية وإغلاقه بالكامل يهدد الاقتصاد العالمي ويضر الولايات المتحدة نفسها.

أما الاضطراب المستمر مع بقاء ممرات محدودة فيخلق وضعاً تستفيد منه واشنطن في الطاقة والسلاح والنفوذ والحماية، من دون أن تصل الأزمة بالضرورة إلى انهيار اقتصادي عالمي.

كما أن الحرب والتهديد المستمر للملاحة يدفعان دول الخليج إلى زيادة الإنفاق على الدفاع الجوي والصاروخي و الطائرات  و السفن الحربية     وأنظمة المراقبة البحرية  والطائرات المسيّرة ومكافحتها ،و حماية المنشآت النفطية والموانئ. ليصبح الخاسر الأكبر ليس بالضرورة من يملك النفط، بل من يملك النفط ولا يملك أمن الطريق إليه؛ بينما الرابح هو من يستطيع السيطرة  وبيع البديل وبيع الحماية في الوقت ذاته

فعندما تتأكد الأسواق من أن هرمز لن يعود سريعاً إلى طبيعته، يبدأ المستثمرون والدول في البحث عن بدائل دائمة، وليس مجرد حلول مؤقتة، وقد بدأ  بالفعل اتجاه بعض الدول إلى البحث عن خطوط أنابيب ومسارات تصدير بديلة، كما برزت مشاريع جديدة لتقليل الاعتماد على هرمز

لذلك لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري تتعطل فيه حركة ناقلات النفط والغاز، بل أصبح أحد أهم مفاتيح إعادة توزيع الكلفة والعائد بين الخسائر والمكاسب  والنفوذ في الاقتصاد العالمي

==================

*mohmeedosman@yahoo,com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com