
الصراع على مضيق هرمز.. لخفض التوترات أو إدارة التهديدات ؟
بقلم :
محمد محمود عثمان
هل الهدف النهائي للصراع علي مضيق هرمز هو إزالة مصادر التهديد في الخليج، أم إدارة هذه التهديدات ، لأن التداعيات الإقليمية والدولية على الاقتصاد العالمي تتطلب فهم حقيقة هذا الوضع والتعامل معه من هذا المنطلق حتى لا تظل المنطقة فوق صفيح ساخن ولا نعرف إلى أي مدى ؟
وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن أمن الملاحة نفسه: هل الهدف النهائي للقوى الكبرى هو إزالة مصادر التهديد في الخليج، أم إدارة هذه التهديدات بما يحافظ على توازنات إقليمية تبرر استمرار الوجود العسكري الأجنبي، الذي يعني أساسا بمواجهة المد الاقتصادي للصين والدول الأسيوية في المنطقة ويُعزز أيضا الشراكات الدفاعية وصفقات التسليح؟ ويمنح الصناعات الدفاعية الأمريكية أسواقًا مفتوحة وقادرة على استمرارية التمويل وربما بلا حدود
وهذا يقودنا إلى تفسير أكثر واقعية عندما نستشعر توجهات أمريكا السلوكية إلى بقاء إيران قوة إقليمية قادرة على تهديد أمن المنطقة، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة تقضي على قدراتها كليا ، لخلق بيئة استراتيجية تستمر فيها حاجة دول الخليج إلى المظلات الأمنية الخارجية، وإلى الاستثمار المتواصل في القدرات الدفاعية. وهذا بلا شك يرسخ في الواقع النفوذ السياسي والعسكري للقوى الكبرى في المنطقة،
ومن هنا نطرح عدة تساؤلات تتجاوز حدود الملاحة البحرية وهى هل تسعى القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، إلى إزالة مصادر التهديد بصورة نهائية، أم إلى إدارتها واحتوائها بما يحافظ على توازنات إقليمية معينة؟ أو المشاركة في عائدات الرسوم المقترحة للمرور في المضيق والتي أشارت إليها اتفاقية التفاهم الأمريكية – الإيرانية الغامضة والمبهمة، أو من خلال تصريحات الرئيس ترامب بفرض 20 % على الشحنات العابرة للمضيق ثم تعديها لطلب زيادة الاستثمارات الخليجية في أمريكا ، وبذلك يصب أمن الخليج جزءًا من معادلة النفوذ الدولي أكثر من كونه مشروعًا لبناء منظومة أمن إقليمية مستقلة
وهل أصبح الصراع على مضيق هرمز يدور حول تأمين أحد أهم الممرات البحرية في العالم فحسب، أو أصبح عنوانًا لتنافس إقليمي ودولي تتشابك فيه اعتبارات الأمن والطاقة والاقتصاد والنفوذ السياسي مع عودة التوترات إلى الخليج، ومع شبه اختفاء لأساس وجوهر النزاع المعلن للحرب على إيران وهو الملف النووي والصواريخ البلاستية
لذلك هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة في ظل استمرار المخاوف الخليجية من السياسات الإيرانية، وتزايد الإنفاق الدفاعي، واستمرار الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة، مقابل غياب إطار أممي فاعل يتولى تنسيق الجهود الدولية لحماية أحد أهم الممرات البحرية في العالم ، حيث يُعد مضيق هرمز شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي، إذ تمر عبره نسبة 20% من تجارة النفط المنقول بحرًا والغاز الطبيعي المسال، ولذلك فإن أي اضطراب فيه ينعكس على أسعار الطاقة، وتكاليف التأمين والشحن، وسلاسل الإمداد العالمية. ومن هنا، فإن استقرار المضيق لم يعد شأنًا خليجيًا فحسب، بل قضية ذات أبعاد دولية ترتبط بأمن الاقتصاد العالمي..
وهذه الأهمية للمضيق حولته إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي. فإيران تنظر إليه باعتباره ورقة استراتيجية تمنحها قدرة على الردع والتأثير في معادلات الأمن الإقليمي، بينما ترى دول مجلس التعاون الخليجي أن أمن المضيق جزء لا يتجزأ من أمنها القومي واستقرار اقتصاداتها. وفي المقابل، تؤكد الولايات المتحدة وشركاؤها أن وجودهم البحري يهدف إلى حماية حرية الملاحة وضمان استمرار تدفق التجارة والطاقة، وهو ما نفهمه ظاهريا من السياسات المعلنة من واشنطن تجاه المنطقة، التي تهدف إلى الردع ومنع اندلاع حرب إقليمية شاملة قد تضر بالمصالح الدولية
لأن القراء ة المتأنية للمشهد من الداخل وللتصريحات المعلنة نجدنا أمام صورة أخرى يجسدها الواقع لاستمرار بؤرة الصراع مشتعلة ،لا تُنهي أسباب التوتر ،من خلال إدارة التهديدات، لا إنهاءها بالكامل، ما يُؤدي عمليًا إلى استمرار الحاجة إلى الوجود العسكري الأمريكي، وتعزيز الشراكات الدفاعية، وزيادة الطلب على أنظمة التسليح المتطورة، وهذا يفسر لماذا نشاهد جولات من التصعيد والتهدئة وسيناريوهات مختلفة للمفاوضات وللمفاوضين وأماكنهم وجولاتهم المكوكية والاتفاقيات الإطارية غير القابلة للتطبيق عمليا و التي لا تفضي إلى حل مقبول ، أو تصل إلى تسوية أمنية شاملة تُنهي أسباب التوتر،
على عكس الدور الذي اضطلعت به سلطنة عُمان، بحكم موقعها الجغرافي وسياساتها القائمة على الحوار الدبلوماسي الجاد ، في دعم جهود التهدئة والحفاظ على قنوات التواصل بين الأطراف المختلفة. وقد أسهم هذا النهج العُماني في مراحل متعددة في تقريب وجهات النظر وتهيئة بيئة مواتية للحوار وصولا إلى اتفاق مفيد لكل الأطراف وإنهاء الأزمة ، إلا أنه مع الرغبة الكامنة في استمرار التصعيد وحالة التوتر، قامت أمريكا بتخريب جولات مفاوضات مسقط و جنيف مرتين ، بالعودة إلى الهجوم على إيران تحت مظلة المفاوضات التي احتضنتها سلطنة عُمان
وهذا ربما يعكس رغبة مقصودة في الإبقاء على حالة عدم الاستقرار، ، لتكريس اعتماد دول المنطقة على المظلات الأمنية الخارجية، وانعكاس ذلك على حجم التعاون العسكري وصفقات التسليح، التي بدأت مع صفقة المملكة العربية السعودية الجديدة التي تبلغ 1.96 مليار دولار
وفي خضم هذا المشهد، يلفت الانتباه غياب دور أممي أكثر فاعلية في إدارة أمن مضيق هرمز. فعلى الرغم من أن استقرار هذا الممر يمثل مصلحة عالمية، لم تتبلور حتى الآن آلية دائمة تحت مظلة الأمم المتحدة لتنسيق الجهود الرامية إلى حماية الملاحة وخفض التصعيد ويرتبط ذلك، في جانب منه، بصعوبة التوصل إلى توافقات داخل مجلس الأمن بشأن ملفات الأمن الإقليمي، وهو ما يترك المجال للتحالفات الدولية والترتيبات الثنائية والإقليمية لتكون الفاعل الرئيس في هذا الملف.
خاصة أن إيران برغم خطابها الرافض للوجود العسكري الأمريكي في الخليج، تساهم سياساتها الإقليمية عمليًا تجاه دول الخليج في استمرار هذا الوجود وفي توفير أحد المبررات الرئيسية لبقاء تلك القوات، وتدفع البعض إلى طلب الحماية الخارجية، وبما يجعل الحاجة إلى المظلة الأمنية الأمريكية أكثر رسوخًا.
ويجعل من التهديد الإيراني لدول الجوار أو لغلق مضيق باب المندب سببًا للوجود الأمريكي في الخليج، ويجعل من استمرار الوجود الأمريكي طرفا في معادلة تدفع بدورها إلى استمرار التوتر مع إيران
ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن أن يستمر أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم رهينًا
لتوازنات القوى الدولية وحدها؟ بعيدا عن الرؤية السياسية طويلة المدى التي تعالج جذور التوتر، وتؤسس لشراكة أمنية إقليمية أكثر استدامة، وبناء منظومة أمن إقليمية تشارك فيها الدول المطلة على المضيق، وتستند إلى مبادئ حسن الجوار، واحترام السيادة، وحرية الملاحة، مع دعم من المجتمع الدولي في إطار القانون الدولي، بدلًا من أن تكون المنطقة ساحة دائمة للتنافس على النفوذ، أو أن يبقي المضيق عرضة للتجاذبات، ويظل الاقتصاد العالمي رهينة لأي تصعيد جديد، مهما كان حجمه أو مصدره أو زمانه.
================

