أراء ورؤىرئيس التحرير

سيناريوهات .. الضربات بين أمريكا وإيران ودول الخليج

بقلم :

محمد محمود عثمان

الضربات المتبادلة  المستمرة بين  إيران وأمريكا وإيران ودول الخليج تفرض عدة سيناريوهات  يمكن من خلالها أن نُقيم الوضع المأساوي الذي تعاني منه منطقة الخليج بدون أن تكون طرفا فيها

لذلك  فإن المشهد تجاوز مرحلة “الردع المتبادل” إلى إدارة صراع مفتوح ؛ أي أن الأطراف تتبادل الضربات، لكنها تحاول حتى الآن تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة لا يمكن السيطرة على نتائجها.

فهل الحرب الحالية تهدف إلى هزيمة إيران، أم إلى إعادة رسم توازن القوى في الخليج بطريقة تجعل الوجود العسكري الغربي جزءًا دائمًا من معادلة الأمن الإقليمي؟

فالأحداث العسكرية والتصريحات السياسية متسارعة  والمصالح والأهداف  الاستراتيجية  للدول  متغيرة ومتضاربة أيضا، ومع تسارع  الأحداث والتصريحات المتضاربة والسريعة  فإننا نطرح  السيناريوهات والاحتمالات القادمة، التي  تدور حول إمكانية احتواء التصعيد، أو توسعه، أو العودة إلى التفاوض، مع بقاء مخاطر سوء التقدير قائمة،

ولاسيما مع  استمرار الولايات المتحدة في تعزيز وجودها العسكري، وزيادة مساهمة بريطانيا ودول غربية أخرى، لتصبح حماية الملاحة الدولية أكثر اعتمادًا على تحالفات عسكرية خارجية، وهذا ترسيخ للوجود الأمني الغربي طويل الأمد في الخليج، في ظل السماح باحتفاظ طهران لجزء من قدراتها العسكرية، يؤثر في معادلة الردع الإقليمية،  

 بغض النظر عن موعد انتهاء القتال، ما يعني أن أسباب التوتر لن تزول بالكامل ،وأن تظل دول الخليج  في قلب المواجهة رغم أنها ليست طرفًا مباشرًا فيها.

وتواجه بذلك تحديًا يتمثل في حماية شعوبها و منشآتها النفطية والموانئ وخطوط الملاحة دون الانجرار إلى الحرب ، التي تؤثر على خططها التنموية وتفتح مواجهات لا يمكن التكهن بنتائجها بين إيران ودول الخليج مجتمعة لُيعيد التاريخ  واقع الحرب الطويلة بين إيران والعراق

لذلك تركز على تعزيز الدفاعات الجوية والبحرية، وفي الوقت نفسه تدعم المساعي الدبلوماسية والوساطات من هنا وهناك لاحتواء التصعيد وخفض التوتر

فالسيناريو الأول هو استمرار حرب الاستنزاف (وهو الأكثر ترجيحًا) من خلال تواصل الولايات المتحدة ضرباتها العسكرية، والرد الإيراني بصورة غير مباشرة عبر الممرات البحرية أو عبر حلفائها أو باستهداف مصالح مرتبطة بالولايات المتحدة، مع تجنب مواجهة شاملة للقوات الأمريكية المحتشدة في المنطقة – والتي تراقبها إيران طوال 24 ساعة-  قد تخرج عن السيطرة، وفي هذا السيناريو تبقى دول الخليج هي الأكثر تأثرًا اقتصاديًا وأمنيًا، باستمرار الضغط على مضيق هرمز وباب المندب

ويرافق هذا السيناريو الغياب العربي والخليجي  في ظل العجز عن بناء منظومة الأمن المشترك

والسيناريو الثاني هو  التصعيد الإقليمي  عند حدوث انفعال أو تهور أو خطأ في الحسابات، كأن تقع خسائر كبيرة في قاعدة أمريكية أو منشأة حيوية في الخليج، فتقرر واشنطن توسيع العمليات العسكرية، وقد تدخل قوى غربية أخرى ومنها بريطانيا بصورة أكبر. عندها قد يمتد الصراع إلى نطاق إقليمي أوسع، وما يصاحب  ذلك من  تأثيرات سلبية  على أسواق الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية واقتصادات الخليج .

والسيناريو الثالث  هو مع انتهاج  سياسة حافة الهاوية التي تتسم بها العلاقات الأمريكية – الإيرانية على مر التاريخ  ومع تصاعد الضغوط الداخلية في الجانبين  يتم التوصل إلى  صفقة سياسية بعد أن يشعر الطرفان بأن كلفة استمرار الحرب أصبحت أعلى من كلفة التسوية، ونجاح الوساطات الإقليمية والدولية في التوصل إلى اتفاق يتضمن وقف الضربات، وترتيبات تخص البرنامج النووي والعقوبات وأمن الملاحة

 والسناريو الرابع هو عدم الرغبة في احتلال أو إسقاط النظام الإيراني، تجنبا   للكُلفة العسكرية والسياسية والاقتصادية وتحسبا من الصدام مع المجتمع الدولي

مع  إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية دون القضاء عليها، وتبقى بذلك إيران قادرة على ممارسة قدر من الردع أو التهديد الإقليمي،  وبذلك ستبقي الحاجة إلى الوجود العسكري الأمريكي في الخليج قائمة، و هو يتوافق مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة للتحكم في مصادر الطاقة ولتحجيم  دور الصين ودول آسيا ،وكذلك رغبة واشنطن في تحقيق مكاسب اقتصادية للشركات الأمريكية من تجارة السلاح في هذا السوق النشط

والسناريو الخامس وهو إعلان كل الأطراف انتصارهم في هذه الحرب مع عدم  انتهاء أسباب الصراع ،وخروج الولايات المتحدة وقد عززت وجودها العسكري، وخروج إيران وقد حافظت على نظامها وجزء من قدرتها على الردع، وخروج إسرائيل وهي ترى أن الخطر الإيراني تراجع، فإن الجميع  يدعي الانتصار، ويبقى السؤال الذي سيبقى مطروحًا وهو: هل انتصر أمن المنطقة فعلًا، أم أن المنطقة دخلت دورة جديدة من توازنات هشة تؤجل المواجهة المقبلة ولا تنهيها؟

وبذلك يمكن القول بأن استمرار هذا النمط من الصراع يطرح سؤالًا يتجاوز المواجهة العسكرية نفسها، وهو: هل سيظل أمن الخليج ومضيق هرمز مرتبطًا بالتوازن بين واشنطن وطهران، أم آن الأوان لبناء منظومة أمن خليجية وعربية مستقلة تقلل من اعتماد المنطقة على القوى الخارجية ثم الاعتماد على النفس؟

==========

mohmeedosman@yahoo.com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com