أراء ورؤى

عُمان… وحكمة السياسة

بقلم:

أمير حمزة – باحث باكستاني
 
في منطقةٍ أنهكتها الحروب، وعمّقت الانقسامات السياسية والمذهبية جراح شعوبها، حافظت سلطنة عُمان على نهج مختلف؛ فلم تنجرف وراء الاستقطاب، ولم تجعل التدخل في شؤون الآخرين وسيلةً لتحقيق النفوذ، بل اختارت الحوار والوساطة والعمل الهادئ من أجل السلام.
أعيش في عُمان منذ سبعة عشر عاماً، وما أكتبه ليس انطباع زائرٍ أقام فيها أياماً ثم غادر، بل شهادة إنسان عاش بين أهلها، وعمل معهم، وتابع عن قرب ما مرّ بالمنطقة من أزمات وتحولات كبرى.
خلال السنوات الماضية، سقطت دول في أتون الحروب، وتمزقت مجتمعات، وتحولت خلافات سياسية ومذهبية إلى صراعات دامية. ومع ذلك، بقيت عُمان، بفضل الله، واحةً للأمن والاستقرار، ولم تسمح للحرائق المشتعلة حولها بأن تنتقل إلى داخل مجتمعها.
وقد سألت نفسي مراراً: ما سر هذا الاستقرار؟ ولماذا استطاعت عُمان أن تحافظ على تماسكها في مرحلة كانت من أصعب المراحل التي مرّ بها الشرق الأوسط؟
بعد هذه السنوات الطويلة، أرى أن الجواب يكمن، بعد فضل الله، في نعمتين أساسيتين: قيادة سياسية حكيمة بعيدة النظر، وقيادة دينية معتدلة تجمع الناس ولا تفرقهم.
سياسة تصنع السلام
عُرفت القيادة السياسية العُمانية بالثبات والتأني والنظر إلى المستقبل. كان همّها الأول حماية الوطن، وصون أمن المجتمع، وخدمة المواطن، والمحافظة على استقرار المنطقة. ولم تسمح بأن تُجر البلاد إلى صراعات لا تخدم شعبها ولا مستقبل أجيالها.
كما لم تجعل عُمان من التدخل في شؤون الآخرين طريقاً إلى النفوذ، بل اختارت أن تكون جسراً للحوار، ونافذةً للتواصل، ومساحةً يلتقي فيها المتخاصمون. وحين كانت بعض الأطراف تبحث عن حليفٍ يزيد قوتها في الحرب، كانت عُمان تبحث عن كلمةٍ توقف الحرب نفسها.
وهذا النهج ليس مجرد انطباع شخصي؛ فالسياسة الخارجية العُمانية تعلن بوضوح تمسكها بالحوار والتسامح، والعمل على نزع فتيل التوتر، وتشجيع الحلول السلمية والوساطة بين الأطراف.
إن حفاظ عُمان على قنوات الاتصال مع مختلف الأطراف لا يعني ضعفاً أو تردداً، بل يعكس قوةً سياسية ونضجاً دبلوماسياً. فمن السهل أن تنحاز في لحظة غضب، لكن الأصعب أن تحافظ على قدرتك على الحديث مع الجميع، وأن تبقى موضع ثقة عندما تغلق أبواب الحوار.
اعتدال ديني يحمي المجتمع
إلى جانب حكمة القيادة السياسية، أدت القيادة الدينية في عُمان دوراً كبيراً في حماية المجتمع من التعصب والغلو والكراهية المذهبية. وفي مقدمة هذه القيادة يأتي سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي، المفتي العام لسلطنة عُمان.
في عُمان يعيش أتباع مذاهب إسلامية متعددة، إلى جانب أصحاب ديانات وثقافات مختلفة. يمارس الناس شعائرهم في أمن واحترام، ولم يتحول الاختلاف الفقهي إلى سببٍ للتقاتل أو إقصاء الآخرين. كما لم تصبح المساجد منابر للتكفير والتحريض، ولم يشعر أتباع مذهب بأن وجود المذاهب الأخرى يهددهم.
وهذه الصورة لم تتشكل من فراغ، بل هي ثمرة نهج ديني واجتماعي يقوم على احترام الإنسان، والتعامل مع الاختلاف الفقهي باعتباره مجالاً للاجتهاد، لا ذريعةً للصراع.
وقد دعا سماحة الشيخ الخليلي باستمرار إلى التآلف ووحدة الأمة واحترام المذاهب الإسلامية، ولم يجعل من انتمائه الفقهي جداراً يفصل بين المسلمين. فالاختلاف عنده لا يفسد الأخوة، ولا يمنح أحداً الحق في تكفير الآخر أو الانتقاص من كرامته.
 
 
الشيخ الخليلي الذي عرفته
كان لي شرف ترجمة مجموعة من مؤلفات سماحة الشيخ أحمد الخليلي إلى اللغة الأردية. ومن خلال هذه التجربة، ومن خلال ما سمعته في محاضراته ومجالسه ولقاءاته، عرفته من كتبه وكلماته ومواقفه، لا من المقاطع المبتورة أو التعليقات المتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي.
وجدت في مؤلفاته عالماً يحمل همَّ الأمة في قلبه. لم أجد تحريضاً على مذهب أو دعوةً إلى إقصاء أحد، بل وجدت حديثاً متواصلاً عن توحيد الصفوف، وجمع الكلمة، واحترام الاختلاف، والتحذير من الفتن التي تستنزف قوة المسلمين.
كما شهدت بعض لقاءاته مع ضيوف من باكستان وأفغانستان، فكان يسألهم عن أحوال الناس، ويحزن لما يقع بينهم من قتال، ويدعوهم إلى بذل كل جهد ممكن لوقف النزاع وجمع القلوب. كان يؤكد لهم أن المسلمين قوةٌ لبعضهم، وأن اقتتالهم لا يصنع منتصراً حقيقياً، بل يفتح الطريق أمام أعدائهم ويضاعف معاناة شعوبهم.
وكان موقفه واضحاً في حالتين: إذا وقع الظلم على المسلمين رفع صوته دفاعاً عنهم، وإذا اقتتل المسلمون فيما بينهم رفع صوته لينصحهم ويحذرهم ويدعوهم إلى وقف الدماء.
وقف مع الشعب الفلسطيني وأهل غزة، وتحدث عن معاناة المسلمين في كشمير والهند، وناصر مسلمي الروهينغا في ميانمار، وتابع آلام الشعوب في سوريا واليمن والسودان وأفغانستان وغيرها. لم يكن يسأل عن لون المظلوم أو قوميته أو مذهبه، لأن المظلوم عنده إنسانٌ يستحق النصرة قبل كل اعتبار.
أما في البلاد التي شهدت اقتتالاً داخلياً، فلم يكن يبحث عن انتصار فريق على آخر، بل عن طريق يعيد الجميع إلى الحوار. وكان يحذر من أن النزاع الداخلي لا يورث إلا الضعف والفشل، مستحضراً قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
ماذا يستطيع العالم أن يفعل؟
العالم لا يملك جيشاً يرسله لوقف الحرب، ولا سلطةً تنفيذية يجبر بها المتقاتلين على الصلح. ما يملكه هو علمه وقلمه ولسانه ومكانته بين الناس.
يكتب عندما يجب أن يكتب، وينصح عندما يجب أن ينصح، ويقف إلى جانب المظلوم، ويقول للمتقاتلين: اتقوا الله في دمائكم وأوطانكم ومستقبل أبنائكم.
وهذا هو الدور الذي يقوم به سماحة الشيخ الخليلي. يؤديه بلا خوف من قوة، ولا طمع في مال أو منصب، ومن دون انتظار رضا هذا الطرف أو خشية غضب ذاك.
فهل أصبحت نصرة المظلوم تهمة؟ وهل أصبحت الدعوة إلى وقف اقتتال المسلمين تدخلاً سياسياً؟ وهل المطلوب من العالم أن يصمت أمام الدماء حتى لا يغضب منه أحد؟
إن الدعوة إلى وحدة الأمة ليست جريمة، والوقوف مع المظلوم ليس تطرفاً، ومحاولة إطفاء نار الفتن ليست انحيازاً إلى فريق. إنها مسؤولية العالم وأمانة الكلمة.
تكريم باكستاني لمكانة علمية كبيرة
لقد أدركت جمهورية باكستان الإسلامية مكانة سماحة الشيخ، فمنحته وسام نجمة باكستان «ستارةٔ باكستان»، أحد الأوسمة المدنية الرفيعة في الدولة، ضمن الأوسمة الوطنية الباكستانية، تقديراً لمكانته بوصفه عالماً دينياً. وأُعلن عن منحه الوسام عام 2021، ثم جرت مراسم التكريم في 23 مارس 2022.
وبصفتي باكستانياً تشرفت بترجمة عدد من مؤلفاته إلى اللغة الأردية، كان هذا التكريم مصدر فخر واعتزاز لي ولغيري؛ لأنه تكريم لعالم لم يحصر اهتمامه في حدود بلده أو مذهبه، وإنما حمل هموم المسلمين وقضاياهم أينما كانوا.
كما حظي سماحته بالتقدير في أوساط علمية وإسلامية متعددة، ولم تأتِ هذه المكانة من حملة إعلامية أو مجاملة عابرة، بل صنعتها عقود طويلة من التدريس والتأليف والإفتاء والمواقف الصريحة.
النقد حق… والتجريح ليس نقداً
لا أحد يقول إن العالم فوق النقاش، ولا إن اجتهاداته لا تقبل المراجعة. فمن حق أي إنسان أن يختلف مع سماحة الشيخ في فتوى أو رأي أو موقف، وأن يناقشه بالدليل والأدب.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين نقد الفكرة وتشويه صاحبها، وبين مناقشة موقف محدد والطعن في تاريخ صاحبه ونيته، وبين الاختلاف العلمي والإساءة المدفوعة بالتعصب المذهبي أو الخصومة السياسية.
ومن أراد نقد سماحة الشيخ، فليعرض كلامه كاملاً، وليذكر مصدره وسياقه، ثم يناقشه بالحجة. أما بتر العبارات، ونسبة ما لم يقله إليه، وتحويل دعوته إلى وحدة الأمة إلى تهمة، فذلك لا يمت إلى النقاش العلمي بصلة.
إن محاولة الانتقاص من قامة علمية كهذه تشبه من يبصق نحو القمر؛ فلن يصل بصاقه إلى القمر، وإنما يعود عليه. فالكلمات المسيئة لا تمحو تاريخاً طويلاً، والاتهامات العابرة لا تطفئ نور العلم.
لقد قلَّ في زماننا العلماء الذين يقولون كلمة الحق من غير خوف أو طمع، ولا يغيرون مواقفهم كلما تغيرت اتجاهات السياسة. وحين يبقى في الأمة عالم ينصر مظلومها، وينصح متقاتليها، ويحذرها من الفتن، فإن واجبنا أن نحفظ مكانته وتراثه، وأن نرد عنه الافتراء، مهما كان مذهبه أو بلده.
فالعالم الصادق ليس ملكاً لمذهب واحد، وإنما هو ميراث للأمة كلها.
نموذج يستحق التأمل
تقدم عُمان اليوم نموذجاً مهماً للعالم الإسلامي: قيادة سياسية تتجنب الحروب وتسعى إلى الصلح، وقيادة دينية تحارب التعصب وتجمع الناس، ومجتمع يعيش فيه المختلفون بأمن وكرامة.
إن استقرار عُمان لم يأتِ مصادفة، بل هو ثمرة حكمة وعدل وصبر، واحترام للإنسان، ورفض لاستغلال الدين في الصراعات السياسية والمذهبية.
عُمان لا تتحدث عن تجربتها بصوت مرتفع، لكنها تقدم للعالم رسالة واضحة: يمكن للسياسة أن تكون حكيمة من غير عدوان، ويمكن للدين أن يكون ثابتاً من غير تعصب، ويمكن للمذاهب والديانات المختلفة أن تعيش في وطن واحد من غير خوف أو صراع.
هذه شهادتي أكتبها من واقع سبعة عشر عاماً عشتها في عُمان، ومن خلال ما قرأته وترجمته وسمعته وشاهدته. عرفت عُمان بلداً يصنع السلام ولا يصنع الحروب، وعرفت سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي عالماً يحمل همَّ الأمة، يقف مع مظلومها، وينصح متقاتليها، ويدعو أبناءها إلى أن يجتمعوا ولا يتفرقوا.
حفظ الله عُمان وقيادتها وشعبها، وحفظ سماحة الشيخ، وبارك في علمه وعمره وقلمه ولسانه، وجزاه خيراً على ما قدمه للإسلام والمسلمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com