
البيوت العائلية التُراثية ..بين وقف الذُرية ونظام الشركات
بقلم :
خليل بن عدالله الخنجي
رئيس غرفة تجارة وصناعة عمان الأسبق


لا تمثل البيوت العائلية التراثية مجرد عقار أو مبنى تاريخي، بل تمثل جزءا من الذاكرة الاجتماعية والثقافية للعائلة بما تحمله من قصص ومجالس وعلاقات وامتداد تاريخي ارتبط بأجيال متعاقبة من الأسرة.
ومن الأمثلة البارزة للبيوت العائلية الأثرية في حارة العريانة (العرين حاليا) بمدينة مطرح العريقة بسلطنة عمان، بيت الخنجي وبيت الخوري وبيت الشهورزي وبيت الشرفي وبيت السليمي وبيت الراشدي وبيت الحسني وبيت الحارثي وبيت الدرمكي وبيت “الپادري” (بيت الحكيم طومس) وبيت البانيان وبيت الوالي الذي هدم وأعيد بناؤه بشكل مغاير للأصل، وبيوت مماثله في حارات المدينة وبقية المدن العمانية والدول الخليجية.
ومن هذا المنطلق تأتي الفكرة في وضع إطار قانوني وتنظيمي حديث يضمن المحافظة على البيوت التراثية واستدامتها للأجيال القادمة، ويحميها من آثار التشتت أو التقسيم أو النزاعات العائلية، وذلك بالحفاظ على هويتها التاريخية والعائلية، وتمكينها من الاستمرار بصورة مستدامة ومتوازنة.
لماذا هذا المقترح؟
هناك عديد من النماذج التقليدية للحفاظ على الأصول العائلية التاريخية، مثل الوقف الذري أو بقاء الملكية على الشيوع بين الورثة، إلا أن هذين النموذجين قد يواجهان تحديات مستقبلية مرتبطة بالإدارة أو المرونة أو استمرارية اتخاذ القرار مع توسع أعداء الورثة عبر الأجيال.
ويهدف هذا المقترح إلى إيجاد نموذج وسطي بديل يحقق التوازن بين:
1 – المحافظة على الإرث العائلي.
2 – الاستدامة المالية والإدارية.
3 – مرونة التطوير.
4 – تنظيم العلاقة بين الملاك بصورة واضحة ومستقرة.
5 – نموذج تراثي، وتجاري، وخيري مصمم بمرونة التحكم عبر الأجيال.
وتقوم الفكرة على إنشاء كيان قانوني مستقل يمتلك البيت العائلي ويتولى إدارته، بحيث يبقى البيت محافظا على هويته واستقلاله بعيدا عن التغيرات المستقبلية التي قد تطرأ على الملكيات الفردية أو الشركات العائلية الأخرى.
ويُنظر إلى هذا المقترح باعتباره نموذجا حديثا قريبا في فكرته من الوقف الذري، ولكن ضمن إطار قانوني أكثر مرونة واستدامة، يسمح بالإدارة المؤسسية والتطوير المدروس دون التفريط في هوية البيت أو رسالته التاريخية.
مقارنة بين النماذج الممكنة
أولا: الوقف الذري
الإيجابيات:
– حماية عالية للأصل ومنع بيعه أو تقسيمه.
– المحافظة على الإرث العائلي واستمراره.
– الحد من النزاعات المتعلقة بالتصرف في الأصل.
– الحفاظ على الهوية التراثية للبيت.
السلبيات:
– محدودية المرونة في الإدارة والتطوير.
– تعقيد بعض الإجراءات المرتبطة بالتصرف أو إعادة الهيكلة.
– احتمالية ظهور خلافات مستقبلية بشأن الإدارة أو الانتفاع.
– صعوبة التكيف مع المتغيرات الاقتصادية أو السياحية مستقبلا.
ثانيا: بقاء الملكية على الشيوع بين الورثة
الإيجابيات:
1 – بساطة الوضع القانوني.
2 – احتفاظ كل وارث بملكيته المباشرة.
3 – مرونة التخارج والتصرف في الحصص.
السلبيات:
1 – احتمالية تشتت الملكية مع مرور الزمن.
2 – صعوبة اتخاذ القرار مع زيادة عدد الملاك.
3 – ارتفاع احتمالية النزاعات العائلية المتعلقة بالإدارة أو الصيانة أو البيع.
4 – احتمالية انتقال بعض الحصص إلى أطراف خارج العائلة مستقبلا
5 – ضعف الاستدامة المؤسسية طويلة الأجل.
الشكل القانوني المقترح
نقترح على الملاك الحاليين تأسيس شركة عائلية مغلقة ومستقلة بحيث تكون مهمتها الأساسية:
1 – المحافظة على البيت وصيانته وترميمه.
2 – حماية هويته التاريخية والثقافية.
3 – تنظيم العلاقة بين الملاك.
4 – تحقيق استدامة مالية وإدارية طويلة الأجل.
5 – ضمان استمرار البيت كمعلم عائلي وثقافي وسياحي.
ويكون الهدف من النشاط الاقتصادي المرتبط بالبيت هو دعم استدامته والمحافظة عليه، وليس تحويله إلى أصل تجاري بحت يسعى إلى تعظيم الربحية على حساب هويته وقيمته التاريخية.
نقل الملكية هناك أساليب عدة لنقل الملكية من حساب الملاك الحاليين إلى ملاك المؤسسة
1 – الطريقة الأولى: يتبرع الملاك الحاليون بقيمة البيت إلى المؤسسة ولكن من سلبياتها أن المؤسسة سوف تخضع للقانون التجاري، وبذلك سوف يتم إلزامها نظام الشركات وبذلك سوف تدفع ضريبة الشركات وهذه سلبية بالإمكان تفاديها بطرق قانونية.
2 – الطريقة القانونية الثانية: يبيع الملاك الحاليون البيت للمؤسسة بسعر التكلفة بدين مؤجل من دون فوائد يتم دفعه من الإيجارات المتحصلة من العقار والدخل من تشغيل البيت، وبهذه الطريقة يتفادى المؤسسون دفع ضريبة الدخل على الشركات سنوات عديدة وهذه إيجابية للهيكلة القانونية للمؤسسة.
المبادئ الأساسية للمشروع
أولا: أولوية الحفاظ على الإرث
يتفق المؤسسون على أن المحافظة على بيت العائلة واستمراره كرمز تاريخي وعائلي تأتي في مقدمة أولويات هذا الكيان، حتى إن تطلب ذلك الحد من بعض المكاسب التجارية قصيرة الأجل.
ويهدف المشروع إلى تحقيق توازن مستدام بين المحافظة على الإرث والهوية، والاستدامة المالية، والتطوير المدروس، واستمرارية البيت عبر الأجيال.
ثانيا: الملكية الفردية
تعتمد ملكية المؤسسة أو الشركة على أساس الملكية الفردية المباشرة للمساهمين، وليس على أساس الفروع العائلية أو التمثيل الجماعي.
وعليه:
– لا تُمنح أفضلية لأي فرع من فروع العائلة.
– ترتبط حقوق التصويت والملكية بالمساهم الفرد وفقا لنسبة ملكيته.
– لا يعتمد نظام تمثيل الفروع في الإدارة أو اتخاذ القرار.
ويهدف هذا المبدأ إلى:
– تعزيز العدالة بين الأفراد.
– تقليل احتمالات التكتلات أو الانقسامات المستقبلية.
– ترسيخ مفهوم الشراكة الفردية المسؤولة.
ثالثا: ضوابط التصرف في الملكية
أن تبقى المؤسسة أو الشركة المالكة للبيت في ملكية ذرية المؤسس الأصلي، ولا يجوز انتقال الحصص إلى أطراف خارج العائلة إلا في حالات استثنائية وبموافقة ما لا يقل عن 90 % من الملاك.
كما تكون الأولوية في شراء الحصص أو التنازل عنها لأفراد العائلة وفق ضوابط وآليات يتم اعتمادها لاحقا.
ويجوز اعتماد آلية تقييم خاصة للحصص تراعي:
– العدالة بين الملاك.
– استدامة المشروع.
– عدم تحميل الأجيال القادمة أعباء مالية تؤثر في استمرارية البيت.
رابعا: الحوكمة والإدارة
وتكون السلطة العليا للملاك من خلال الجمعية العامة التي تجتمع مرة في العام كاجتماع اعتيادي ليتم انتخاب أول مجلس إدارة يتكون من أشخاص عدة، ويتولى مجلس الإدارة الآتي:
– إدارة البيت والإشراف عليه.
– حماية هويته وقيمته التاريخية.
– إدارة أمواله وتنميتها.
– صرف المعونات المادية لمستحقيها.
– الإشراف على الصيانة والتشغيل.
– ضمان التزام أهداف المشروع ومبادئه.
ويجوز الاستعانة بأعضاء مستقلين من ذوي الخبرة متى ما اقتضت المصلحة ذلك. ويجوز لمجلس الإدارة تكوين لجنة تنفيذية تعينه على تنفيذه قراراته وله أن يمنحها جزءا من اختصاصاته وصلاحياته.
خامسا: الاستدامة المالية
تهدف المؤسسة المالكة إلى تحقيق نموذج مالي مستدام يضمن تغطية:
– تكاليف الصيانة والتشغيل.
– أعمال الترميم المستقبلية.
– الاحتياطيات المالية اللازمة لاستدامة البيت.
وبعد تغطية الالتزامات الأساسية، يجوز التصرف بصافي الأرباح من خلال إعادة استثمارها في البيت أو توزيع أرباح على الملاك، أو تخصيص نسبة منها لدعم أفراد العائلة المحتاجين لها وفق إطار حوكمة واضح ومسؤولية اجتماعية منظمة.
سادسا: ضوابط الاستخدام التجاري
يُسمح بممارسة الأنشطة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي تنسجم مع:
– الهوية التاريخية للبيت.
– العادات الخليجية والعربية.
– سمعة العائلة.
ويُمنع استخدام البيت أو مرافقه في أي أنشطة تتعارض مع الآداب العامة أو تسيء إلى الطابع الثقافي والتراثي للمكان.
كما تخضع أي تغييرات جوهرية في طبيعة استخدام البيت أو ارتباطه بمشاريع تجارية طويلة الأجل لموافقة ما لا يقل عن 75 % من الملاك في اجتماع الجمعية العادي و50 % في اجتماع الجمعية غير العادي إذا لم يكن نصاب في الاجتماع الأول.
سابعا: الاستقلالية والاستمرارية
يهدف هذا الكيان إلى الحفاظ على استقلالية البيت التراثي واستمراريته بغض النظر عن أي تغيرات مستقبلية قد تطرأ على الشركات العائلية المالكة للشركات التجارية والاستثماريّة والعقاريّة.
ولا يجوز رهن البيت أو استخدامه كضمان مالي بما قد يعرضه لخطر فقدان ملكيته أو هويته مستقبلا.
ثامنا: البعد الثقافي والاجتماعي
لا يُنظر إلى البيت التراثي باعتباره مشروعا تجاريا فقط، بل باعتباره:
1 – معلما من معالم القرية أو المدينة.
2 – امتدادا للهوية العائلية.
3 – مساحة اجتماعية وثقافية وتراثية.
ويمكن أن يحتضن البيت:
– المجالس واللقاءات العائلية.
– الفعاليات الثقافية والتراثية.
– برامج توثيق التاريخ الشفهي والقصص العائلية.
– الأنشطة التي تعزز ارتباط الأجيال القادمة بتاريخ العائلة وإرثها الاجتماعي.
تاسعا: استدامة المعمار التراثي
يجب على ملاك البيت التعهد بالمحافظة على شكل البيت المعماري كما تم تشييده من قبل مؤسسيه، ولا يجوز عمل أي تعديل الا بموافقة 90 % من المساهمين في اجتماع جمعية عموميه غير عادية. هذا الإجراء يحد من أي تغييرات جذرية قد تجريها الأجيال المتعاقبة.
عاشرا: لا يجوز التعديل على هذا النظام إلا في أضيق الحدود وبموافقة 90 % من عدد أصوات الجمعية العمومية.
الخاتمة
إن الهدف من هذا المقترح ليس تجميد أو تقييد الأجيال القادمة بامتلاكه وإنما إيجاد إطار قانوني حديث ومتوازن يضمن استمرار البيت والمحافظة عليه باعتباره رمزا تاريخيا واجتماعيا وثقافيا ممتدا عبر الزمن، لذلك يفضل أن يتنازل الملاك الحاليون عن جزء من ملكيتهم للبيت لأبنائهم وأحفادهم عند تأسيس هذا النظام، كي يزرعوا فيهم هذا التوجه منذ الآن، فالبيت العائلي التراثي ليس مجرد بناء من الحجر، بل هو ذاكرة متراكمة لعلاقات ومجالس وقصص وأجيال متعاقبة، والمحافظة عليه هي محافظة على جزء من الهوية التاريخية والاجتماعية للعائلة. أما المؤسسة المالكة فهي بمثابة الكيان الحاضن للبيت وشؤون ملاكه وهي الخيار العملي لتحقيق الأهداف المنشودة لاستدامته.


