
سيناريوهات .. البقرة الحلوب ومنظومة الأمن العربي -الخليجي
بقلم :
محمد محمود عثمان
دول الخليج أُقحمت في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل سوى علاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية والاعتماد عليها كمظلة أمنية لأمنها القومي واستضافتها للقواعد العسكرية الأمريكية وغيرها من القواعد بدون توافر منظومة أمن خليجية أو عربية التي تتعثر مع تعثر أداء جامعة الدول العربية منذ الأربعينات في تطبيق اتفاقية الدفاع العربية المشتركة ،ما شكل فراغا أمنيا لا فتا ما دفع أوروبا وخاصة بريطانيا وفرنسا للتحرك للدفاع عن المملكة العربية السعودية، ولأننا نعيش ونتعاش بقلق وخوف تحت وطأة الوضع المأساوي الذي تعاني منه منطقة الخليج الآن، بدون أن تكون طرفا فيه فإن المنطقة قد تكون مسرحا لحرب إقليمية شاملة لا يمكن السيطرة على نتائجها ، في مواجهة المشروع الإيراني التوسعي لإمبراطورية فارس الذي تتحسب من إسرائيل ومشروعها الإبراهيمي التوسعي أيضا
لذلك فلابد من إعادة رسم توازن القوى في الخليج بطريقة تحول من أن يصبح الوجود العسكري الغربي جزءًا دائمًا من معادلة الأمن الإقليمي ، و مدخلا لاستنزاف ثرواته وموارده الطبيعية
ولاسيما مع استمرار الولايات المتحدة في تعزيز وجودها العسكري، وزيادة مساهمة بريطانيا وفرنسا ومعهما ألمانيا ودول غربية أخرى، للدفاع عن دول الخليج وحماية الملاحة الدولية في مضيقي هرمز وباب المندب
أوفي الاعتماد على تحالفات عسكرية خارجية، مثل اتفاق مكة بين المملكة العربية السعودية وتركيا و باكستان الذي نتحفظ على جدواه الأمنية نظرا للتباعد الجغرافي وأبعاده اللوجستية، وشبح المشروع التركي لعودة الإمبراطورية العثمانية على حساب ثروات دول المنطقة التي فرض عليها أن تكون في قلب المواجهة
وإذا استسلمنا أو رضخنا لذلك فإننا نُرسخ للوجود الأمني الغربي طويل الأمد في الخليج، ولاسيما إذا استطاعت طهران الاحتفاظ بجزء من قدراتها العسكرية، يؤثر في معادلة الردع الإقليمية،
إذا تم جر المنطقة إلى حروب ، تؤثر على خططها التنموية وتفتح مواجهات لا يمكن التكهن بنتائجها بين إيران ودول الخليج مجتمعة ليعد التاريخ واقع الحرب الطويلة بين إيران والعراق ، بعد أن عجزت أمريكا عن الدفاع عن السعودية وتركتها – عمدا- فريسة لجماعة الحوثي المدعومة إيرانيا لتستهدف مطاراتها وأماكنها المقدسة والمدنيين والمنشآت المدنية والاقتصادية والنفطية
وإن كان البعض يصف الموقف بأنه تغير في الأولويات الاستراتيجية الأمريكية و ليس عجزا بل إحجاما عن التدخل العسكري المباشر لحماية حلفائها في المنطقة عند تعرضهم لضربات من جماعة الحوثي، واكتفت بالتصريحات الدبلوماسية ، الأمر الذي جعل المظلة الدفاعية الأمريكية تبدو غير فعالة أو غائبة مع الهجمات المتكررة على المنشآت الحيوية والمطارات السعودية
وقد سبق ذلك تهديد البيت الأبيض بتأخير تسليم منظومات دفاع جوي متطورة للسعودية لعدم توافق المواقف بشأن ملفات إقليمية، مثل طبيعة العمليات ومستوى التصعيد مع إيران ومضيق هرمز.
وأبدت واشنطن بروداً شديداً ولم تتحرك عسكرياً بشكل رادع وسريع لحماية المنشآت النفطية والمطارات السعودية.ربما في إطار فلسفة ترامب حول مصطلحه عن ” البقرة الحلوب” “أوذبح البقرة التي لا تحلب “وأحد سيناريوهات هذه الفلسفة هو الدفع مقابل الحماية حيث يرى ترامب أن الولايات المتحدة تقدم مظلة أمنية وعسكرية مكلفة لحماية دول غنية، وبالتالي يجب على هذه الدول أن تدفع ثمناً مالياً مباشراً ومجزياً مقابل هذه الحماية،معتبراً أن الأمن “خدمة مدفوعة الثمن مقدما” وليس التزاماً استراتيجياً مجانياً
والسيناريو الآخر هو إعادة تدوير الأموال و حتمية استرداد ما تنفقه أمريكا في الخارج عبر صفقات تسليح ضخمة، واستثمارات مباشرة في الاقتصاد الأمريكي، وشراء المنتجات الأمريكية، لضمان إنعاش مصانع السلاح والوظائف داخل الولايات المتحدة.وعلى ذلك فإن أي تقليص للحلب المالي سواء بتوقف صفقات السلاح أم برفض الاستثمار ، يقابله تخلي واشنطن عن التزاماتها الدفاعية،
وإشارة ترامب في خطاباته السابقة بأن بعض الحكومات “لن تصمد لأسبوعين بدون الدعم العسكري الأمريكي”
ويرافق هذه السيناريوهات الغياب العربي والخليجي والعجز عن بناء منظومة الأمن المشترك ،والتي بدت صورته جلية بعد عرض مبادرة مصرية خلال القمة العربية في شرم الشيخ في مارس 2015 بتشكيل قوة تدخل عسكري سريع قوامها نحو 40 ألف جندي من قوات النخبة، مدعومة بطائرات حربية، وقطع بحرية، وآليات مدرعة. للتدخل السريع لحماية الأمن القومي العربي عند الطلب.ونظرا للحاجة إلى وضع الآلية للعمل والتنظيم أو لوجود تحفظات أو تباينات واختلافات وجهات النظر أو انعدام للثقة والخلافات حول الهيكلية والأهداف وعلى القيادة والآليات، وتأجيج جهات أجنبية لهذه المخاوف ،ضمانا لمصالحها ، قادت السعودية جبهة خليجية بتأييد من الإمارات، والكويت، وقطر، والبحرين بالإضافة إلى العراق لإرجاء التوقيع لحين نضوج الرؤية السياسية، وهو ما أدى في النهاية إلى تجميد المشروع. حتى الآن،
على الرغم من أن مصر بخلاف باقي الدول العربية، قد لا تحتاج مباشرة أو بدرجة كبيرة إلى هذه القوة المشتركة التي تحتاج إلى القوة البشرية والخبرة التقنية والعسكرية والقتالية ، ومصر تمتلك هذه العناصر أو المقومات، التي جعلتها ضمن تصنيف الجيوش المتقدمة في الشرق الأوسط،ولعل الأحداث القائمة والسيناريوهات في المشهد العربي والخليجي الحالي تحتم على الأمة العربية – بصفة عاجلة – حتى تضمن مكانا لها تحت الشمس ووسط التكتلات الاقتصادية والسياسية العالمية أن تستفيد من تجربة حلف الناتو الأوروبي القائم منذ عام 1949.أي بعد تشكيل جامعة الدول العربية بعدة سنوات ،والذي يمثل تجربة أوروبية ناجحة تعتمد في نظامها على الالتزام وليس الاختيار أو الرغبة ، لأنه نظام إلزامي وصارم؛ يخضع لعقيدة دفاع جماعي ملزمة لجميع الأعضاء.وبند الدفاع المشترك صريح وتلقائي وصارم طبقا (المادة 5)؛ بأن الهجوم على أي عضو هو هجوم على الجميع، مع وجود قيادة عسكرية موحدة ودائمة، و دمج لوجستي وتقني كامل بين الجيوش، حيث تلتزم كل دولة بالمشاركة في الميزانية بنسبة محددة 2% من ناتجها الإجمالي للدفاع
وهنا تبرز الأعباء التي تكبدتها وسوف تتكبدها دول المنطقة ، إذا لم تشكل” ناتو عربي ” إذا ظل الملف النووى الإيراني مفتوحا بدون حسم لأن المفاوضات تبدو أعقد بكثير من مجرد التوصل إلى اتفاق حول تخصيب اليورانيوم وتخطت ذلك إلى الهيمنة والسيطرة على مضيق هرمز، مع اتجاه العيون على مصادر الطاقة والنفط
لذلك سوف يستمر تحمل اقتصادات الخليج كلفة التوتر، وارتفاع نفقات الدفاع، وتعرض الملاحة والتجارة لمخاطر متزايدة، وتأجيل بعض الأولويات التنموية ، ومخاطر ذلك على البني المجتمعية والاقتصادية والسياسية للدول العربية وفي مقدمتها الخليجية
خاصة مع تواتر تصريحات ترامب المجهلة والغامضة حول خيار العودة إلى عمليات قتالية واسعة ضد النظام الإيراني، بالتزامن مع تعزيز القوات والمعدات الأميركية في المنطقة ، وعلاقة ذلك بحسابات الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية ، أو قبول الولايات المتحدة بأن تكون إيران جزءًا من النظام الأمني الإقليمي بدون أن يكون لها دورا مؤثرا على النفوذ الأمريكي في المنطقة
=====================
mohmeedosman@yahoo.com

