أراء ورؤىرئيس التحرير

أميركا – إيران  والعرب ..إلى أين ؟

بقلم :

محمد محمود عثمان

تقودنا ضبابية المستقبل في مضيق هرمز إلى فرضيات أولها أن تظل إيران قادرة على تهديد الأمن الخليجي، أو أن  أمريكا لا تستطيع أو لا تريد أن تتحمل وحدها كلفة الأمن الإقليمي أو غير قادرة على هزيمة إيران عسكريا ، أو أن العرب لم ينجحوا حتى الآن في تشكيل منظومة دفاع جماعية مستقلة ، ما دفع  السعودية إلى تنويع مظلة الردع ، وإعادة ترتيب معادلة حمايتها ، وما قد يتبع ذلك من تداعيات  أبعد من السعودية نفسها، التي وجدت نفسها أمام تهديدات متعددة الاتجاهات من إيران  ومن الحوثيين   ، مع تعرض منشآتها  ومصالحها للتهديد. وفي الوقت نفسه، محاولة  الرياض تجنب الانخراط المباشر في حرب أمريكية ـ إيرانية واسعة النطاق تحسبا من أن تهدد الحرب الأراضي والمنشآت والمصالح الخليجية، حتى لو لم تكن دول الخليج طرفًا أصليًا في الحرب

وهنا تكمن المفارقة  التي  تكشف ضعف منظومة الأمن العربية؛ حيث احتاج  أمن أكبر دولة عربية خليجية  إلى  دول غير عربية من خارج المنطقة هما تركيا وباكستان، وأن هناك مخاطر على  مستقبل الأمن العربي الجماعي قد استشعرته السعودية

ولكن دلالة  اتفاق مكة هو غياب الإطار العربي بعدم مشاركة  مصر أو الإمارات أو قطر أو بقية دول الخليج لأنه  مؤشر على أزمة الثقة في قدرة النظام الأمني العربي على إنتاج مظلة دفاع جماعية فعالة.

وإن كان غياب مصر عن اتفاق مكة  “بحسابات مصرية – سعودية خاصة بكل طرف  – لا يعني غيابها  عن الأمن العربي؛ بل ربما يعكس ذلك  دلالة سياسية واستراتيجية ، بأن مصر ليست مجرد دولة عربية يمكن إضافتها إلى الاتفاق كعضو رابع ، لأن  لديها موقع جغرافي، وثقل عسكري، وسياسي، يجعلها أحد الأعمدة الطبيعية لأي منظومة أمن عربي،

لأنها  تمتلك جيشًا كبيرًا وقدرات جوية وبحرية وبرية واسعة، والأهم أنها تمتلك خبرة تشغيلية ومؤسسات عسكرية  وقوة بشرية تجعلها قادرة على المشاركة في عمليات واسعة النطاق، وليس مجرد تقديم دعم رمزي.

وهذا يختلف عن النموذج الخليجي الذي يمتلك قدرات تسليحية ومالية ضخمة، لكنه يظل بحاجة إلى قوة بشرية وهيكل عملياتي أوسع  يدعم الأمن العربي الشامل ، الذي لا يمكن اختزاله في الخليج  ومضيق هرمز فقط ، فهناك  أمن خليج عُمان  وبحر العرب وخليج عدن وباب المندب  و البحر الأحمر و قناة السويس  والبحر المتوسط  ومصر تقع في قلب هذه السلسلة ،و تتميز بالشرعية العربية التي لا تتوفر لتركيا أو باكستان

وفي هذا السياق قد جدّدت القاهرة  في مارس 2026دعوتها إلى إنشاء قوة عربية مشتركة لمواجهة التهديدات التي تواجه الدول العربية ، ولم يتم الاستجابة العربية لدعوتها، وعدم تقدير المخاطر التي تحيق بالمنطقة ،استجابة لرغبة بعض القوى الكبرى التي تحرص على الضعف العربي  لضمان السيطرة على المنطقة ، وهناك إسرائيل الحاضر الغائب التي تستفيد من استمرار النزاع لإضعاف الخصوم ، وإعادة تشكيل التوازن الإقليمي وفق مخططاتها التوسعية

والآن الخوف من  أن يتحول  الوضع الأمريكي الإيراني إلى مرحلة “استنزاف متبادل” وحرب أطول أمداً مما توقع الطرفان، حيث تتحكم ضبابية المفاوضات وعسكرة الممرات المائية في المشهد ، مع إعادة ترتيب  الأولويات والتغافل عن الملف النووي التقليدي  والتركيز على المواجهة الحالية في  ورقة مضيق هرمز ومن يهيمن عليه، وإعلان ترامب مجددا0 بين الجد والهزل –  بأنه سيعلن قريبا بأن مضيق هرمز أرضا أمريكية ،بعد أن أعلن في بداية الآزمة بأن مضيق هرمز سوف يتحول اسمه إلى مضيق ترامب

 في الوقت الذي  تطور فيه  إيران لأولوياتها للسيطرة  الكاملة على المضيق بدون النظر إلى حقوق السيادة العُمانية، وطلب تعويضات وفرض شروط جديدة لفتحه وعودة الملاحة،  مقابل ضغط أمريكي لكسر الحصار، أوجد حالة إنهاك اقتصادي كبير لإيران  ، مع تعثر المسار الدبلوماسي ، وعدم اليقين إلى أين تتجه المفاوضات ومن يتمكن من فرض شروطه في النهاية ؟ خاصة مع نفي طهران إحراز أي تقدم ،وفي المقابل تهديد واشنطن بضربات عسكرية قوية لم تشهدها إيران ، أو  بفرض ضغوط وعقوبات إضافية ، ومن ثم لا ندري إلى متى يمكن لإيران أن تواصل الحرب؟ أو إلى متى تتجاهل واشنطن الضغوط الداخلية  وملاحقة الديموقراطيين والخوف  من الانخراط  في  استنزاف عسكري طويل الأمد  ، تفرضه إرادة الطرفين غير المعلنة فأمريكا تريد إدارة الصراع مع إيران وإيران تريد الحفاظ على أوراق قوتها الإقليمية  والعرب يحاولون للمرة الأولى البحث عن موقع أمني لا يكون مجرد تابع لأي من الطرفين

ولكن تكمُن المخاوف  من أن  يُعمّق اتفاق مكة الانقسام داخل الخليج ،لأنه مع عدم مشاركة بقية دول مجلس التعاون في الاتفاق، فقد ينشأ مسار أمني موازٍ لمنظومة مجلس التعاون.

ولذلك نأمل أن يكون اتفاق  مكة  بداية  استقلال أمني عربي وإسلامي عن المظلة الأمريكية، ولا يكون  مجرد مظلة إضافية لحماية السعودية في انتظار أن تنتهي المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية

===============

*MHMEEDOSMAN@YAHOO.COM

.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com