
هل المجلس الاقتصادي الاجتماعي هو الحل؟
بقلم :
خليل بن عبدالله الخنجي
الرئيس الأسبق لغرفة تجارة وصناعة عُمان
[مُنذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي وحتى عام 2026، جرّبت سلطنة عُمان العديد من السياسات والبرامج لمعالجة ملف تشغيل القوى العاملة الوطنية. أما قبل ذلك، فلم تكن الحاجة مُلحَّة لابتكار أدوات خاصة للتوظيف؛ إذ كانت سنوات النهضة الأولى قائمة على البناء والتوسع، وكانت البلاد بحاجة إلى كل يدٍ عاملة، ماهرة كانت أم غير ماهرة، عُمانية أو وافدة.ومع تغيُّر طبيعة الاقتصاد وظهور تحديات التشغيل، بدأ الملف يأخذ شكلًا مؤسسيًا أكثر وضوحًا. ففي عام 1991 تولى معالي قيس بن عبدالمنعم الزواوي- رحمة الله عليه- نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية والمالية، رئاسة اللجنة العليا للتدريب المهني والعمل، ثم انتقلت رئاستها بعد وفاته عام 1995 إلى معالي أحمد بن عبدالنبي مكي، وزير الاقتصاد الوطني- آنذاك- وذلك لتزايد المواليد منذ 1970؛ حيث توفرت الخدمات الصحية في جميع أنحاء البلاد وبالتالي زادت أعداد القوى العاملة التي احتاجت بعض المعالجات مثل التدريب المهني وقوانين تفرض نسب توطين في القطاعين الخاص والحكومي ومن ضمن المبادرات الحكومية- آنذاك- مساهمة الحكومة في 80% من راتب العاملين العُمانيين في القطاع الخاص.
وفي عام 1998 أُنشئت اللجنة العليا لمتابعة التعمين برئاسة اللواء عبدالعالم مستهيل رخيوت، وعضوية ممثلين من القطاعين العام والخاص والأجهزة الأمنية والعسكرية، في توجه هدفه جمع الجهات القادرة على اتخاذ القرار وصياغة برامج تراعي احتياجات سوق العمل ومصالح مختلف الأطراف. وتركّزت الجهود في تلك المرحلة على مواءمة قدرات القوى العاملة الوطنية مع متطلبات التشغيل، وتطوير برامج التدريب والتأهيل، في ظل منافسة القوى العاملة الوافدة الأقل تكلفة في عدد من الأنشطة.
وعند قراءة هذا المسار الممتد لأكثر من أربعة عقود، يظهر أن أكثر المراحل فاعلية كانت تلك التي لم يُنظر فيها إلى التشغيل باعتباره مسؤولية وزارة واحدة، وإنما باعتباره ملفًا اقتصاديًا واجتماعيًا متكاملًا تشارك فيه الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع.
كما تكشف تجربة المناقصات الحكومية، منذ بدايات ربط المشروعات بالتعمين وصولًا إلى قرارات سيح الشامخات، عن درس مهم ما يزال صالحًا حتى اليوم: أن الإنفاق العام يمكن أن يكون أداة مباشرة لتوليد الوظائف وتوسيع القاعدة الإنتاجية، متى ارتبطت العقود والمشروعات بالتعمين والتدريب ودعم المؤسسات الوطنية ونقل المعرفة ورفع الإنتاجية.
تجربة المناقصات الحكومية، منذ بدايات ربط المشروعات بالتعمين وصولًا إلى قرارات سيح الشامخات، عن درس مهم ما يزال صالحًا حتى اليوم: أن الإنفاق العام يمكن أن يكون أداة مباشرة لتوليد الوظائف وتوسيع القاعدة الإنتاجية، متى ارتبطت العقود والمشروعات بالتعمين والتدريب ودعم المؤسسات الوطنية ونقل المعرفة ورفع الإنتاجية.
التوظيف لا يُصنع بقرار إداري أو بنسبة تعمين فقط، وإنما يبدأ من اقتصاد قادر على توليد الوظائف، وقطاع خاص قادر على الاستثمار والتوسع، ومنظومة تعليم وتدريب تستجيب لاحتياجات السوق.
ومن هنا، ربما لا يكون التحدي اليوم في ابتكار برنامج توظيف جديد، بقدر ما هو في إعادة ملف القوى العاملة الوطنية إلى قلب الإدارة الاقتصادية والاجتماعية للدولة، والنظر في تأسيس مجلس اقتصادي اجتماعي عُماني يضم شخصيات وخبرات رفيعة المستوى في الاقتصاد والتجارة والصناعة وسوق العمل وعلم الاجتماع، إلى جانب تمثيل فاعل للقطاع الخاص وأصحاب وصاحبات الأعمال من مختلف القطاعات والمحافظات.
والفكرة ليست جديدة وهي ليست في إنشاء جهاز جديد يضاف إلى سلسلة الأجهزة والمبادرات السابقة، وإنما في إيجاد منصة مؤسسية دائمة للحوار وصناعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، تجمع أطراف الإنتاج وصنّاع القرار والخبراء حول رؤية واحدة علمًا بأن التوجه جاء منذ العام 2011 حين أرسلت الحكومة وفدين إلى كل من سنغافورة ومملكة نذرلاندز (هولندا) بغية التوصل إلى أفضل تجربة في هذا الشأن كل هذا للإجابة عن هذا السؤال الجوهري: كيف نبني اقتصادًا قادرًا على توليد وظائف مستدامة للمواطنين؟
بعد عقود من اللجان والندوات والمختبرات والعيادات وبرامج التدريب والتعمين والإحلال والدعم، ربما تكون الخطوة الأهم هي العودة إلى أصل المسألة: النمو الاقتصادي، والاستثمار، والإنتاجية، والشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص، وربط الإنفاق الحكومي بأهداف التشغيل الوطنية.
فحين ينمو الاقتصاد، وتتوسع المؤسسات، وتتحول المشروعات الحكومية والخاصة إلى مولد حقيقي للوظائف، تصبح فرص العمل نتيجة طبيعية للنمو، لا أزمة نبحث كل عدة سنوات عن وسيلة جديدة لمعالجتها.
———————————————-
** الرئيس الأسبق لغرفة تجارة وصناعة عُمان

