
العالم يسدد فاتورة التخاذل في فتح مضيق هرمز.. لماذا؟
بقلم:
محمد محمود عثمان
تحول الوضع في مضيق هرمز إلى أزمة عالمية يدفع ثمنها الاقتصاد الدولي، فيما تتحمل دول الخليج والدول العربية الجزء الأكثر مباشرة من فاتورتها، رغم أن المضيق يمثل شريانًا حيويًا للتجارة والطاقة العالمية ، ومن ثم لم تعد أزمة مضيق هرمز مجرد مواجهة عسكرية بين إيران والولايات المتحدة، وإسرائيل ،ولا مجرد خلاف حول الملاحة والطاقة ولا خلاف بين ترامب و حلف الناتو والدول الأوربية التي رفضت مساعدة أمريكا في ضرب إيران، لنسأل أنفسنا من يستطيع فتح المضيق عسكريًا؟ و من يملك القرار والمسؤولية عن أمنه؟ هل هي الولايات المتحدة بوجودها العسكري الأكبر في الخليج؟ أم دول الخليج التي يقع المضيق في محيطها الجغرافي وتتحمل الجزء الأكبر من مخاطره؟ أم إيران التي تسيطر جغرافيًا على جانبه الشمالي وتمتلك القدرة على تعطيل الملاحة؟ وتريد فرض الهيمنة الكاملة عليه ؟ أم المجتمع الدولي الذي يعتمد على هرمز لتأمين جزء ضخم من احتياجاته من الطاقة؟
وللآسف تغيب عنا أي إجابة إقليمية صريحة أو واضحة عن هذا السؤال إلا إجابة واحدة حول الفاتورة التي سيدفعها ويدفعها الخليج والعالم العربي.
لأن إغلاق أو تعطيل المضيق و توقف ناقلات النفط والغاز عن العبور يعني ارتفاع تكلفة الطاقة والنقل والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الغذاء والسلع، وضغوطًا إضافية على اقتصادات الدول المستوردة للطاقة. ، خاصة أن نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات النفطية تمر عادة عبر المضيق، أي ما يقارب خمس الاستهلاك العالمي، وفقا لتقارير وكالة الطاقة الدولية ، فضلًا عن أن هرمز يمثل الطريق الرئيسي لصادرات الغاز المسال من قطر والإمارات
لذلك فإن الفاتورة الخليجية والعربية أكثر مباشرة وقسوة. فدول الخليج لا تواجه فقط خسائر محتملة في صادرات النفط والغاز، وإنما تتحمل أيضًا كلفة حماية منشآتها النفطية والغازية وموانئها وسفنها، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وتعطّل حركة التجارة والاستثمار. أما الدول العربية غير النفطية، فتصل إليها الأزمة عبر ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والنقل، وضغوط التضخم والموازنات، في وقت لا تملك فيه كثير من هذه الدول هوامش مالية واسعة لامتصاص الصدمة.
ومن هنا تحمل المواطن العربي، من الخليج إلى المحيط بصورة مباشرة أو غير مباشرة ثمن أزمة لم يكن طرفًا في صنعها بل فُرضت عليه، وإلى جانب الخسارة الاقتصادية هناك خسارة استراتيجية، لأن مضيق هرمز ليس ملكًا لدولة أو لطرف سياسي؛ إنه ممر ملاحي دولي يمر عبره جزء هائل من تجارة الطاقة العالمية ومع ذلك، تم التغافل أو العجز عن أمنه وتركه لسنوات أسيرًا للصراعات الإقليمية والتوازنات العسكرية، والاعتماد على القوى الكبرى، بدل بناء منظومة أمن إقليمية ودولية أكثر استقرارًا تضمن حرية الملاحة وتحمي مصالح الدول المطلة على الخليج والدول المستفيدة من موارده.
وهنا تبدو المفارقة حيث أن العالم يحتاج إلى هرمز، والخليج يدفع ثمن أمنه، بينما لا تزال مسؤولية حمايته موزعة بين قوى دولية وإقليمية متنافسة،بعد أن كشفت الأزمة أن الاعتماد على الحماية الخارجية وحدها لا يمنع الحرب، وأن امتلاك القوة العسكرية لا يكفي بالضرورة لضمان استمرار الملاحة، وأن ترك أمن الممرات الاستراتيجية دون ترتيبات جماعية واضحة يجعل الاقتصاد العالمي كله عرضة للابتزاز والصدمات.
ومع غياب منظومة الأمن الخليجي والعربي الذي احتاجت إليه المنطقة ، جاء مؤخرا اتفاق مكة الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان ليرسخ ضعف منظومة الأمن الخليجية وزيادة الاعتماد على أطراف أجنبية، قد يكون لها تداعيات أو سلبيا ت غير منظورة تزرع في المنطقة بؤر صراع جديدة، بالإضافة إلى حرمان المنطقة من المبادرات الاستباقية الهجومية للردع حتى لا يكون الدفاع مجرد رد فعل على الاعتداءات الخارجية فقط ،بعد أن أصبح أمن الإقليم أو بعض دوله موزعًا بين أطراف خارجية متعددة، لكل منها مصالحها وحساباتها الاستراتيجية.
لأن القوة الأجنبية التي تساعد على تحقيق الاستقرار ليست بالضرورة هي القوة التي تتطابق مصالحها مع مصالح دول الخليج في كل أزمة. وقد يتحول الاعتماد على الخارج، مع مرور الوقت، من أداة لإدارة الأمن إلى قيد على القرار الأمني الإقليمي، فقد نجح الخليج في بناء علاقات أمنية واسعة مع القوى الكبرى، ونجح في شراء أحدث منظومات الدفاع، ونجح أحيانًا في تخفيف التوتر عبر الوساطات الخارجية، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في بناء منظومة أمن خليجية جماعية قادرة على إدارة أزمات المنطقة من داخلها.
ولكن هل آن الأوان لبناء منظومة أمن خليجية عربية حقيقية،؟ يكون فيها أمن الخليج مسؤولية أهل الخليج أولًا، مع الاستفادة من الشراكات الدولية، بدلا من أن يكون أمن المنطقة مرهونًا بتوازنات القوى الكبرى؟
===================
*momeedosman@yahoo.com
