
هرمز وباب المندب .. بين الحماية الدولية والسيادة الوطنية
بقلم :
محمد محمود عثمان
الأمن البحري العربي مُستباح على حساب السيادة الوطنية الغائبة
فمنذ سنوات تشارك دول عديدة في عمليات حماية الملاحة البحرية في الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر، ودول أوروبية وآسيوية أخرى ضمن أطر وتحالفات بحرية مختلفة. وقد بررت هذه الدول وجودها بحماية التجارة العالمية وحرية الملاحة وتأمين إمدادات الطاقة.
واليوم يحاول أن ينفرد ترامب بهذه المهمة بمساعدة إيرانية أو مشاركة معها من تحت الطاولة ، لذلك أعطى ترامب لإيران أكثر من مهلة للرد على المطالب الأمريكية غير المعلنة ،لأسباب غير واضحة كما تراجع عن توجيه ضربة لإيران ، مفضلا تبادل الرسائل التي لم يُفصح عن مضمونها بعد ، إلا من بعض التسريبات التي ينشغل بها الوسط الإعلامي
لكن إذا كانت المفاوضات الأمريكية الإيرانية تتجه نحو تفاهمات أمنية جديدة، أو أنها تتعثر أو تتوقف بعد تبادل الهجمات العسكرية بين إيران وإسرائيل من جديد وتوزيع الأدوار بين ترامب ونتنياهو والاتجاه إلى تجميد المفاوضات أو زيادة الضغوط على إيران ، فما هو مصير هذا الوجود الدولي؟
حيث لم تعد الأزمة الراهنة مجرد مواجهة بين إيران وإسرائيل، ولا مجرد خلاف أمريكي– إيراني حول البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي. فالتطورات الأخيرة كشفت أن جوهر الصراع بات يدور حول أمن الممرات البحرية الدولية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي، وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب الذي يؤثر على المرور بقناة السويس ولجوء السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح ،الأمر الذي يهدد حركة الطاقة وسلاسل الإمداد وأسعار الشحن والتأمين البحري.
ومع تصاعد المخاوف من تعطيل الملاحة، تحركت فرنسا وبريطانيا و أربعين دولة ومنظمة دولية لبحث سبل ضمان حرية الملاحة وإعادة الاستقرار إلى المنطقة ومنحت هذه الدول أمريكا وإيران مهلة للتوصل إلى اتفاق يعيد فتح مضيق هرمز أو أنها سوف تتدخل عسكريا إذا استمر تعطيل الملاحة حتى حلول موسم الشتاء في أوروبا
وأن ذلك يعني انتقال الملف من دائرة التفاوض الثنائي بين واشنطن وطهران إلى إطار دولي أوسع تشارك فيه القوى المتضررة من تعطيل التجارة العالمية ولاشك أن ذلك قد يزيد من احتمالات التصعيد عالميا إلى إطار دولي أوسع تشارك فيه القوى المتضررة من تعطيل التجارة العالمية.
لأن ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة إقليمية عابرة، بل اختبار حقيقي لمستقبل النظام الدولي وقدرته على حماية الممرات البحرية المشتركة. فالعالم لا يستطيع أن يقبل بأن تصبح شرايين التجارة والطاقة رهينة للصراعات السياسية أو العسكرية.
ومن هنا تبرز أهمية الدور العُماني ؛لأن سلطنة عُمان ليست مجرد دولة مطلة على مضيق هرمز، بل تمثل أحد أهم جسور الحوار في المنطقة خاصة في الملف النووي ،وفي ظل اتساع دائرة التوتر، تزداد الحاجة إلى الدبلوماسية العُمانية الهادئة التي أثبتت مرارًا قدرتها على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة عندما تفشل لغة التصعيد ، على أن تحترم أمريكا هذا الدور بعد أن خربت الجولات السابقة للتفاوض التي احتضنتها مسقط
ولذلك فإنه بين التصعيد العسكري ومساعي الوساطة، يبقى الرهان الأكبر على الحكمة السياسية قبل أن تجد المنطقة والعالم نفسيهما أمام أزمة تتجاوز حدود الشرق الأوسط إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، في ظل الدور الخليجي الغائب حيث إن دول الخليج هي الأكثر تأثرًا بأمن المضيق، فلماذا لا تكون هي صاحبة الدور الرئيسي في تأمينه؟ قبل أن
تصاغ ترتيبات من خارج المنطقة وتُفرض عليها بحكم موازين القوة الدولية
الأمر الذي يتطلب التفكير السريع والجاد في إنشاء منظومة أمن بحري إقليمية تضم الدول المطلة على الخليج ومضيق هرمز بدلا من الاعتماد الدائم على القوى الخارجية
و ليس مقبولا أو معقولا أن يستمر الوجود العسكري الدولي في المنطقة تحت شعار حماية الملاحة الدولية أو حماية دول الخليج
والمخاوف أنه إذا كانت الولايات المتحدة وإيران تتفاوضان اليوم على مستقبل الأزمة النووية، فهل ستبقى عشرات الدول الأجنبية حاضرة عسكريًا في الخليج بعد انتهاء الأزمة، أم أن المنطقة تتجه نحو نظام أمني جديد تتولى فيه الدول الإقليمية مسؤولية أكبر عن أمنها البحري؟
فالقضية لم تعد تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني وحده، بل بمستقبل الأمن الجماعي في الخليج، وحدود التدخل الدولي، وموقع الدول الساحلية من القرارات التي تمس ممراتها المائية وثرواتها الاستراتيجية.
لأن الحل المستدام لا يكمن في عسكرة المضائق أو فرض الهيمنة عليها، بل في ترسيخ مبدأ أن أمن الملاحة مسؤولية جماعية، وأن استقرار هرمز وباب المندب جزء لا يتجزأ من استقرار الاقتصاد العالمي والأمن الدولي.
==============
*mohmeedosman@yahooo.com
.
