
الغباء التشريعي .. وعشوائية الجباية الضرائبية للهواتف والمساكن الخاصة
بقلم :
محمد محمود عثمان
التشريعات التي تنظم حياة المواطنين وعلاقتهم بالدولة والمجتمع تخضع لأسس ومعايير سيكولوجية تراعي الظروف الدولية و المجتمعية والاقتصادية والأبعاد الإنسانية والنفسية ،وقد نشاهد الكثير من نماذج التشريعات العشوائية التي دائما تتصف بالغباء الذي اشتُق منه مصطلح ” الغباء التشريعي”الذي يعني أن القانون بدلا من أن يحقق الرضا الاجتماعي ومصالح الأطراف -المواطن والدولة – فإنه يفعل العكس تماما مثل الدبة التي تقتل صاحبها وهى تقصد الدفاع عنه
وأيضا قد يكون التشريع الغبي سببا في قتل الدجاجة التي تبيض لصاحبها ذهبا ،والأمثلة كثيرة ومتنوعة ، ولكن الذي ذكرنا بها هو قرار إلغاء الإعفاء الجمركي على الهواتف المحمولة التي بصحبة العائدين من الخارج أو السياح والمستثمرين خاصة أن المغترب له زوجه وأبناء والهاتف من الضروريات بالنسبة لهم وحتى الأطفال منهم لذلك فإنه حتى إعفاء هاتف واحد لا يكفي، ولكن يمكن وضع الضوابط التي تمنع عمليات التهريب ومن يثبت أنه هرب أوتاجر أو باع هاتفه تُحصل منه ضعف الضريبة مع الغرامة المضاعفة
ولا أعتقد أن هذا القرارات الخاصة بإلغاء الإعفاءات عن الهواتف متعمدة للإضرار بالدولة أو تشويه صورتها أمام العالم غربه وشرقه لأنها عشوائية بلا دراسات أو استطلاعات ،ولكم يبدو أن الهدف منها تحقيق مصالح فئة معينة من التجار والمستوردين أو أصحاب الوكالات التجارية ، أو حتي لحساب مصانع لا تستطيع المنافسة مع المنتجات الأجنبية في السعر أو الجودة ولا تخضع لآليات السوق والعرض والطلب ولذلك لا يجب أن يتحمل المغترب في الخارج عبء سوء الإدارة أو الفشل في التخطيط بخلاف أن ذلك يمثل ازدواجا ضريبيا وهناك اتفاقيات متبادلة مع معظم الدول بمنع الازدواج الضريبي
وكذلك قرار فرض الضرائب العقارية على المساكن الخاصة للمواطنين والتي للأسف أقرها مجلس الشورى وكأن الدولة تريد أن تحصل قيمة إيجارية من أصحاب المساكن الخاصة التي يمتلكونها ،وبعضهم لا يملك تدبير احتياجاته المعيشية اليومية وهي أمثلة حية وواقعية لما نتناوله في هذا المقال
خاصة أن بعض القرارات التي تتصف بالغباء الشديد هي في ظاهرها ترفع شعار زيادة موارد الدولة أو سد العجز في الميزانية أو حماية صناعة محلية ،أو شركات استثمارات أجنبية توفر لها الدولة العديد من المزايا والحوافز الاستثمارية من تخصيص الأراضي والطاقة المدعمة والبنية الأساسية والتخفيضات في الرسوم والضرائب والجمارك ، التي تمتد لعدة سنوات لأن التشريعات الغبية والقرارات العشوائية تُصبح مثل الدبة التي تقتل صاحبها ..وقد تكون موجهة لحماية مصالح فئة من التجار أو أصحاب الوكالات التجارية بدون التفكير أبعد من مواقع الأقدام والنظر إلى المخاطر والانعكاسات السلبية على المكانة الدولية لمصر واستقرار التشريعات والجاذبية للاستثمار، وكذلك الأثر المحلي على باقي قطاعات الدولة الاجتماعية والاقتصادية والاستثمارية والسياحية والسياسية في المدى البعيد، بعد أن تترسخ في الأذهان الصور الذهنية السلبية عن الدولة والتي تنتقل بدون تفكير وبسرعة النار في الهشيم للآخرين من المستثمرين والإعلاميين في دول العالم ،حيث يتم تضخيمها للإساءة إلى الدولة ، ومن ثم يُصعب تغييرها بسهولة بعد ذلك
وللأسف أن مثل هذه التشريعات العشوائية غير المدروسة لا يمكن قياس التغذية الراجعة لها قبل تطبيقها للمراجعة أو التصحيح حتى تستقيم مع الهدف الحقيقي منها والذي يفترض أن يُحقق المصالح المشتركة للدولة وللمواطنين
ومن هنا نقول ليس من العيب أن نُخطأ ولكن من العيب أن نستمر في الخطأ ، لأن قرار إلغاء الإعفاءات الجمركية على الهواتف المحمولة -ومعه قرار فرض الضرائب العقارية على المساكن الخاصة – سيء السمعة ويستحق الإعدام في ميدان عام ، حتى لا تتحول أجهزة الدولة إلى آلية للجباية أوجمع الأموال بدون تدبُر، كما كان يفعل الملتزم في العصور الوسطى عندما كان يريد الحاكم جمع الأموال قسرا وبدون وجه حق وبدون مراعاة لإمكانيات الشعب وقدراته
ومن أمثلة القرارات العشوائية غير المدروسة التي تحتاج إلى مراجعةهو حرمان المصريين العاملين في الخارج من الإعفاء الجمركي لسيارة واحدة طوال فترة العمل بالخارج التي لا تقل عن سنة مع منع التصرف فيها إلابعد خمس سنوات ، مع تسديد جماركها كاملة عند المخالفة بالإضافة إلى الغرامات ، وكذلك عدم الإعفاء الجمركي للأثاث والأجهزة الكهربائية للمغتربين عند العودة النهائية للوطن ، وهذا وإن كان الهدف منه شكلا إعطاء العاملين في الخارج بعض المميزات- التي يعترض عليها البعض من قاصري النظر – إلا أنها في جوهرها المحافظة على مدخرات المصريين بالخارج لزيادة تحويلاتهم للداخل لدعم الاقتصاد المحلي ، لأن الاقتصاد المصري يخسر مرتين عندما يشتري العاملون بالخارج الأجهزة والأثاث المنزلي، ثم يتركونه بلا مقابل عند العودة إلى مصر حيث يتم استنزاف دخلهم عند إعادة شراء هذا الأثاث مرة أخرى ، والكثير منهم قد لا يستطيع شرائها من الداخل مرة أخرى لضيق ذات اليد ، ويفقد بذلك الاقتصاد المصري العملة الصعبة مرتين مرة في الخارج ومرة في الداخل مقابل الإصرار على فرض نسبة من الجمارك لا تعوض هذه الخسائر بأي حال من الأحوال ويعتقد متخذ القرار بنظر ة ضيقة أنه يعمل على زيادة موارد الدولة وهذا على عكس الواقع والمنطق، وقد سبقتنا فيه – منذ سنوات – الدول العربية الأضعف اقتصادا من مصر والأقل قدرة وخبرة في التشريعات القانونية والحياة النيابية
وبالمثل إذا تطرقنا إلى قرار غريب وعجيب آخر وهو فرض ضرائب على المسكن الخاص للمواطن وهو نوع من الجباية غير القانونية التي تفرض أعباء إضافية على المواطنين الذين يعانون أصلا من ارتفاع الأسعار وآثار التضخم وزيادة تكاليف المعيشة مع تدني الدخل أو انعدامه عند البعض الذي يعيش تحت خط الفقر ولذلك نخشى في إطار سياسة الجبايةأن نجد ضرائب جديدة على استنشاق الأوكسجين من الهواء !
الأمر الذي يتطلب مراجعة مثل هذه القرارات العشوائية التي تضُر الدولة أكثر مما تنفعها ومعالجة الثغرات التي يستغلها البعض في عمليات التهريب أو التجارة غير المشروعة التي تضر بالاقتصاد أو الصناعة المحلية والتشديد على الرقابة ، وأن نتجنب أساليب الجباية التي تتربص بالعاملين بالخارج وبالمواطنين في الداخل التي تنعكس على الأمن الاجتماعي ولُحمة وقوة المجتمع وتماسكة ،وأن نبتعد عن الأفكار المريضة مثل التي اقترحها أحد رؤساء أهم أحزاب المعارضة المصرية وأعرقها -وهو حزب الوفد – بفرض ضريبة على العاملين بالخارج لتحسين ميزانية الدولة وسد العجز وكأنهم سلعة مستوردة، وهو لا يعلم أن ليس كل المصريين بالخارج من أصحاب الدخل المرتفع ، لأن بعضهم يتحمل المتاعب والمصاعب لاستمرارهم بالعمل بالخارج لتدبير الأعباء الأسرية حتى بدون فائض مادي ، ولسان حالهم يقول أنه أفضل من العودة لمصر في ظل ارتفاع الأسعار والتضخم وتكاليف المعيشة الباهظة ومصاعب الحياة التي تفاقم سنة بعد أخرى في ظل عشوائية القرارات وغباء التشريعات .
=============

