أراء ورؤىرئيس التحرير

مضيق هرمز.. بين درع الجزيرة و الدفاع العربي المشترك !

بقلم :

محمد محمود عثمان:

يتضح أن فشل منظومة الأمن العربي ليس نتيجة عامل واحد، بل هو نتيجة سلسلة مترابطة من الإخفاقات، تبدأ بانهيار مشروع التصنيع العسكري العربي، وتمر بضعف الإرادة السياسية، وتنتهي بعجز آليات الدفاع المشترك.

لأن الأمن القومي العربي  يمثل أحد أبرز التحديات في ظل بيئة إقليمية مضطربة، تتسم بتعدد مصادر التهديد وتداخل الأبعاد السياسية والعسكرية ، والمصالح الاقتصادية ، وقد سعت الدول العربية إلى إنشاء منظومات للدفاع الجماعي، من أبرزها اتفاقية الدفاع العربي المشترك منذ عام 1950، كما برز نموذج إقليمي أكثر فاعلية تمثل في قوات درع الجزيرة منذ عام 1984

ولا ننكر أن النظام الإقليمي العربي يتعرض لموجة  من التهديدات الأمنية، سواء التقليدية أو غير التقليدية، كما حدث في العراق وسوريا والضفة الغربية وغزة ولبنان والسودان ليبيا،   وما يحدث لدول الخليج ومضيق هرمز وأرض الصومال الآن ،ما يفرض إعادة تقييم آليات الدفاع الجماعي التي تتصف بالهشاشة بعد أن أغفلها العرب عمدا أو سهوا ،ليقدموا المنطقة لإسرائيل الكبرى على طبق من ذهب

ومنها  قوات درع الجزيرة كآلية دفاعية خليجية عملية، ثم اتفاقية الدفاع العربي المشترك كإطار قانوني عربي شامل. وبين النموذجين تتجلى فجوة واضحة بين النص والتطبيق.

أولًا: قوات درع الجزيرة – نموذج الدفاع الإقليمي القائم شكليا  والمعطل  فعليا وقد تأسست في عام 1984 تحت مظلة مجلس التعاون لدول الخليج العربية الصيغة الوحدوية الصامدة شكليا حتى الآن،  بهدف تعزيز الأمن الجماعي لدول الخليج، كقوة عسكرية مشتركة ذات طابع دفاعي تعتمد على التنسيق بين جيوش الدول الأعضاء في ظل  التقارب السياسي وتشابه الأنظمة السياسية والمخاطر الإقليمية وهى تعتمد على الإرادة السياسية لكل دولة

ثانيًا: اتفاقية الدفاع العربي المشترك – الإطار القانوني المعطل وقد أُقرت الاتفاقية في عام 1950 في إطار جامعة الدول العربية، ونصت على مبدأ الدفاع الجماعي.

واعتبار أي اعتداء على دولة عربية اعتداءً على الجميع ولكن ذلك يتطلب

التنسيق العسكري والسياسي بين الدول الأعضاء وتفرض إنشاء هياكل دفاعية مشتركة، و لكنها للأسف  تتأثر من تضارب المصالح السياسية وغياب القيادة الموحدة وعدم وجود قوة تنفيذية لا تتأثر بالحساسيات الشخصية أو المخاوف القُطرية  في ظل التوافق  الكامل

لذلك فضل البعض الاعتماد على التحالفات الخارجية والقواعد الأجنبية

وظهر ذلك جليا في الغزو العراقي للكويت، حيث لم تُفعّل الاتفاقية عمليًا، وتم اللجوء إلى تحالف دولي ، نظرا لضعف منظومة الدفاع الجماعي العربي، لذلك تواجه المنطقة العربية عامة والخليجية خاصة عدة تهديدات منها الإقليمي مع تصاعد النفوذ الإقليمي لدول غير عربية ، وامتداد النزاعات الجيوسياسية  والمطامع في الثروات العربية الطائلة

والحروب غير التقليدية مثل  الحرب السيبرانية والجماعات المسلحة غير النظامية أو الإرهاب العابر للحدود، والخلافات والصراعات الداخلية والطائفية

ثم  التدخلات الدولية وتزايد الاعتماد على القوى الكبرى وتراجع الاستقلال الاستراتيجي ،نظرا تفكك النظام العربي وضعف أو غياب التنسيق الجماعي ، وتضارب التحالفات ، وضعف المؤسسات الإقليمية ، ومنها جامعة الدول العربية

لذلك ولمواجهة المخاطر، لابد من تطوير قوة عربية مشتركة فعلية وتقليص الخلافات السياسية حتى يمكن إنشاء قيادة عسكرية موحدة،  ثم والأهم هو

تفعيل الاتفاقيات القائمة بدلا من  الاكتفاء بالنصوص الصماء ، والاستفادة من نماذج ناجحة مثل حلف شمال الأطلسي

لأن  قوات درع الجزيرة واتفاقية الدفاع العربي المشترك  تكشف عن حقيقة جوهرية، وهي أن فعالية الدفاع الجماعي لا تقوم على النصوص القانونية وحدها، بل على الإرادة السياسية والقدرة التنفيذية. وفي ظل التحديات المتزايدة، فإن استمرار الوضع الحالي قد يفاقم المخاطر على الأمن القومي العربي، ما لم يتم الانتقال من مرحلة التنظير إلى مرحلة الفعل والتنفيذ

لأن نجاح أي منظومة دفاع جماعي يرتبط بمدى توافر الإرادة السياسية والقدرة التنفيذية. حتى لا تظل قوات درع الجزيرة واتفاقية الدفاع العربي المشترك تحت إطار قانوني غير مفعل. وفي ظل التحديات المتزايدة، يصبح من الضروري إعادة هيكلة النظام الدفاعي العربي بما يحقق الأمن والاستقرار لدول وشعوب المنطقة

لذلك يبدو جليا أهمية الإسراع بتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك عمليًا، و

إنشاء قيادة عسكرية عربية موحدة، وتطوير قوات تدخل سريع عربية ، من خلال تعزيز التكامل العسكري العربي ، وتقليل الاعتماد على القوى الخارجية ،وإنشاء قاعدة للصناعات العسكرية العربية بعد أن فشل مشروع

الهيئة العربية للتصنيع التي تأسست عام 1975 بمشاركة عدة دول عربية (مصر، السعودية، الإمارات، قطر)، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي العسكري ،وتقليل الاعتماد على السلاح الأجنبي ،وإنشاء قاعدة صناعية عسكرية عربية مشتركة ، تمثل الذراع الصناعية المكملة لأي نظام دفاع عربي مشترك، ولكن بعد كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، سارعت الدول العربية المشاركة بالانسحاب من الهيئة  بدون منطق أو تدبر ، وكذلك تم  سحب التمويل والاستثمارات بسبب الخلافات السياسية الحادة ،وربط التعاون العسكري بالمواقف السياسية ،وعدم الوعي أو النضج الذي يفصل أو يفرق  بين الأمن القومي والخلافات الدبلوماسية

ولاشك أن ذلك افقد الدول العربية الاستقلال العسكري ، وأصبحت   تعتمد على استيراد السلاح ، وأضعف القدرة على اتخاذ قرار عسكري عربي مستقل، مع انعدام  القدرة على مواجهة التهديدات والتحديات، وما يمثله ذلك من تناقض مع جوهر اتفاقية الدفاع العربي المشترك التي تفترض قدرة ذاتية جماعية ، وقد ساعد ذلك على ظهور تحالفات فرعية بدلًا من المنظومة العربية الشاملة ، مما أضعف التكامل الدفاعي ، في ظل صعوبة توحيد التسليح والأنظمة العسكرية نظرا للافتقار إلى  قاعدة صناعية عسكرية عربية مشتركة ـ تسهم في صناعة عسكرية عربية موحدة تحقق الاكتفاء الذاتي  ، حيث إن انسحاب الدول العربية من الهيئة العربية للتصنيع لم يكن مجرد قرار اقتصادي أو سياسي عابر، بل شكل نقطة تحول استراتيجية أدت إلى تفكيك أحد أهم أعمدة الأمن القومي العربي، وهو التصنيع العسكري المشترك. وقد انعكس ذلك مباشرة على ضعف تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك ، واستنفاذ الكثير من ميزانيات التسليح التي تستفيد منها دول الغرب وأمريكا

لأن فشل منظومة الأمن العربي ليس نتيجة عامل واحد، بل هو نتيجة سلسلة مترابطة من الإخفاقات، تبدأ بانهيار مشروع التصنيع العسكري العربي، وتمر بضعف الإرادة السياسية، وتنتهي بعجز آليات الدفاع المشترك.

وجاء إعلان دمشق عام 1991 بعد حرب الخليج الثانية، وهو تحالف أمني سياسي-عسكري وليس اتفاقية رسمية ملزمة، وضم دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ومصر وسوريا بهدف إنشاء نظام أمني عربي جديد لحماية منطقة الخليج وتقليل الاعتماد على القوى الأجنبية و كان محاولة “مرنة” لتعويض فشل اتفاقية الدفاع العربي المشترك

ولكن تؤكد تجربة إعلان دمشق  أن محاولات إصلاح منظومة الأمن العربي بعد الأزمات الكبرى، ظلت رهينة التوازنات السياسية والاعتماد على القوى الخارجية، مما أدى إلى فشلها في بناء نظام دفاع جماعي مستدام. وهو بذلك يُجسد غياب التكامل بين الإرادة السياسية، والصناعة العسكرية، والقدرة التنفيذية بما يمثل السبب الجوهري لضعف الأمن القومي العربي.

رغم امتلاك العالم العربي واحدًا من أكبر تجمعات الثروة العالمية (الطاقة، الفوائض المالية، والموقع الجغرافي الاستراتيجي)، إلا أن هذه الموارد لم تتحول إلى قوة أمن جماعي فعّالة. في المقابل، نشأ فراغ أمني واسع سمح بتوسع النفوذ العسكري الخارجي عبر قواعد عسكرية دائمة وتحالفات غير متكافئة.

وهنا نجد معادلة  صعبة متعددة الأطراف ويتمثل جوهر التناقض في وجود

“ثروة كبيرة + أمن ضعيف = اعتماد خارجي متزايد” ونتيجتها أن الثروة العربية أصبحت قوة غير مُفعّلة ، لأن الدول العربية تمتلك احتياطيات نفط وغاز ضخمة وصناديق سيادية تتجاوز تريليونات الدولارات، بالإضافة إلى  موقع جغرافي يتحكم في أهم الممرات البحرية العالمية

مع  إنفاق عسكري خليجي فقط – بخلاف باقي الدول العربية – بلغ وفقا للمؤسسات المتخصصة في السنوات الأخيرة نحو 115–135 مليار دولار سنويًا،  لم تُترجم إلى منظومة ردع إقليمي مستقلة ، تمتلك صناعات  دفاعية مشتركة ليصبح بذلك مستقبل البلاد العربية إلي كيانات ضعيفة وصبح معها الثروة “الاقتصادية العربية” بلا ترجمة استراتيجية .

——————–

* mohmeedosman@yahoo.com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com