
المغلاة في المهور.. والسفه في الأجور
محمد محمود عثمان
روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” يمن المرأة خفة مهرها ويسر نكاحها وحسن خلقها وشؤمها غلاء مهرها وعسر نكاحها وسوء خلقها “
هذا منهاج حياة للأسرة في المجتمع العربي والإسلامي وأحرى بنا أن نتعهد ذلك في علاقات الزواج وعند تأسيس الأسرة ، لتشجيع الشباب والشابات على الزواج وصيانة أنفسهم من الوقوع في الخطأء وارتكاب المعاصي ، والاقتداء بما نشاهدة في وسائل الإعلام الحديثة ، حيث لا يتورع البعض في نشر وبث الكثير من الإغراءات التي تجذب أبنا ءنا من الشباب وتحاصرهم من كل صوب واتجاه ، حتى وسائل الإعلام الرسمية والحكومية لم تسلم من ذلك حتي في أيام شهر رمضان الفضيل ،مما يفقد الشهر روحانياته ويبعدنا عن التمتع بعباداته ومناسكه
وأنا ضد المغلاة في أي تصرف أو قول أو في المهور والسفه في الاحتفالات بالمناسبات المختلفة سواء في دول الخليج أو غيرها، لذلك قامت بعض دول الخيلج بتحديد مبالغ معينة للمهور والزواج لا يتعداها أحد ويلتزم بها الجميع لمواجهة هذه الظاهرة والحد منها ، للمساعدة في تقليص عدد العوانس من الشباب والشبات الذين قد يصرفوا النظر عن فكرة الزواج – تحسبا أو تخوفا من نفقات الزواج – وبناء الأسرة المستقرة التي تمثل النواة الحقيقية لبناء المجتمع ،
وكذلك لتوفير أجور الصالات والفنادق فقد انتشرت ظاهرة عقد القران في قاعات ملحقة بالمساجد نظير مبالغ رمزية توجه عائداتها للجمعيات الخيرية ومساعدة الفقراء ، وهذا اتجاه محمود وعلى وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وما يقدم في الدراما والأفلام السينمائية والمسلسلات التليفزيونية والإذاعية مسؤولية تكريس ونشر هذه الثقافة بين الأسر في مختلف المجتمعات
حتى يتمكن الزوج والزوجة من تحمل المسؤولية في تدبير نفقات الزواج ويشعرون بلذة الحياة ،وأن يكون ذلك مدعاة للتمسك بالزوجة وعدم التفريط في الحياة الزوجية بسهولة ولاسيما مع تفشي ظاهرة الطلاق في السنوات والأخيرة ، ولايمكن أن ننكر دور الأسرة والوالدان في تقديم المساعدة إذا اقتضى الأمر وألا يعتمد الشاب المقبل على الزواج بشكل أساسي على أسرهم أو الآخرين في كل شيء حتى يكتب للزواج النجاح والاستمرار والديمومة والسعادة
لأن في مجتمعاتنا العربية والإسلامية للأسف تبرز مشكلة المغالاة في المهور كواحدة من أخطر المشكلات الاجتماعية التي تعقد مسألة الزواج ،خاصة مع انتشار ظاهرة تقليد المغالاة في المجتمعات القبلية أو المغلقة والتمسك بعادات وتقاليد مضى عليها الزمن بزمان
لأننا نفضل بل ندعوا دائما في الظروف العادية أن يبدأ الزوجان الحياة الأسرية بسهولة ويسر بلا متاعب أو تكاليف أو نفقات غير ضرورية بشرط توفير الأساسيات والكماليات الحديثة
هذا في كل الأحوال والظروف العادية .. أما الزواح والحب في زمن الأزمة الاقتصادية العالمية فإنه يختلف تماما عن الأحوال العادية ويحتاج إلى الترشيد الشديد وليس إلى درجة التقشف التي تطالب بها الحكومات أويتبناها رجال الاقتصاد ، وإنما الوسطية مطلوبة لأنها تتوافق مع مباديء الاسلام وقول الرسول عليه السلام ( خير الزواج أقله مؤنة ) ، وقد رأيت في سلوك دول الغرب تطبيقا فعليا لحديث الرسول عليه الصلاة والسلام ، وإن كان ذلك ليس عن قناعتهم بأحاديث الرسول الكريم الذين يوجهون له الإساءات والسباب من حين إلى آخر
ويقول بعض المفسرين للحديث أن “المونة “”تشمل أيضا نفقة الرجل على زوجته طيلة حياتهما ، وعدم إرهاق الزوجة لزوجها بالنفقات؛ فكلما كان النكاح بعيدا عن السرف ، كان ذلك أرجى للبركة والخير فيه، وذلك لأن المؤونة هي الكلفة والنفقة “
وعلينا في وسائل الإعلام ومن منابر رجال الدين في المساجد والكنائس وفي كل المنتديات الثقافية والاجتماعية تأصيل هذه المفاهيم للتمسك بقيم الدين وتعاليمه
وقد أكد على ذلك الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية بقوله : إن أيسر الفتيات مهرًا على الرجل هي أفضل الزوجات، مشيرًا إلى أنه منذ أن ترك الأهالي البساطة في الزواج أدى ذلك إلى تأخر سن الزواج في المجتمع،
ويقول الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام سلطنة عُمان: المصيبة في جشع الآباء في حرصهم على المهور الغالية التي ترهق الشباب، وتحول بينهم وبين مبتغاهم من الزواج الذي هو سبب لعفة الجنسين، وهذه الظاهرة جديرة بأن تتضافر الجهود الرسمية والشعبية من أجل القضاء عليها
وكم تنميت أنا أن تكون هذه الرؤية المستنيرة هي ديدن ونهج الدعاة وكل وسائل الإعلام وكل الفنون في المسارح والدراما والفكاهة والكوميديا في المرحلة القادمة ،حتى يمكن أن نستثمر طاقات الشباب في العمل والإنتاج ، وألا تؤدي ظاهرة العزوف عن الزواج إلى أضرار مجتمعية وصحية بل وأخلاقية ، تحرم المجتمعات الاسلامية والعربية من الاستفادة من جهود أبنائها ومن العيش في صحة نفسية وتصالح مع النفس ومع المجتمع بعيداعن تجاذب الجماعات الإرهابية ورموز التطرف الديني التي لا تهدأ ولا تنام في محاولاتهم لتكوين وتشكيل جماعات التطرف ” داعش وأخواتها “وتقديم نكاح الجهاد و حور العين التي يحلم بها الشباب ، بل ويتمناها كبار السن .

