أراء ورؤىرئيس التحرير

مضيق هرمز بين الهيمنة والشرعية.. وغياب الأمم المتحدة

بقلم :

محمد محمود عثمان

لا يمكن أن نختزل  الأزمة حول مضيق هرمز  في مواجهة ثنائية بين  الولايا ت المتحدة وإيران  حول الهيمنة والسيطرة ومحاولة ابتزاز العالم   عن طريق القرصنة العلنية لتحقيق مصالح أمريكية إيرانية ، بينما يتم تجاهل أسئلة أكثر عمقًا تتعلق بأحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم ، التي تنتهك فيها الشرعية الدولية وحقوق الدول الساحلية،

 ومستقبل النظام البحري العالمي، باعتبار أن المضيق ليس ملكًا لإيران… ولا منطقة نفوذ أميركية

 لأن مضيق هرمز  يقع بين إيران وسلطنة عُمان بما يؤكد  أن المضيق ليس خاضعًا لسيادة إيرانية منفردة، كما أنه ليس منطقة مفتوحة لهيمنة أي قوة خارجية.

وبموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار فإن المضائق الدولية المخصصة للملاحة العالمية تخضع لمبدأ  “حرية المرور العابر”

أي أنه لا يحق لإيران إغلاق المضيق أو احتكار التحكم فيه، أو فرض رسوم المرور، كما لا يحق لأي قوة خارجية فرض وصاية دائمة عليه تحت عنوان حماية الملاحة.

لذلك فإن ما يحدث في المضيق الآن هو   تحوّله  عمليًا إلى ساحة تنافس بين التهديد الإيراني، والهيمنة العسكرية الأميركية ، وهذا يتناقض مع  النظام الدولي

خاصة مع إعلان واشنطن إنها تحمي حرية الملاحة الدولية، لكنها في المقابل تحتفظ بوجود عسكري كثيف في الخليج يمنحها نفوذًا استراتيجيًا هائلًا على تجارة الطاقة العالمية.

وفي المقابل تستخدم إيران المضيق كورقة ضغط وردع سياسي كلما تصاعدت العقوبات الأمريكية عليها أو زادت التوترات الإقليمية.

ليجد العالم نفسه أمام مفارقة غريبة فالطرفان يرفضان احتكار الآخر للمضيق، لكن كلاهما يساهم في عسكرة الممر وتهديد استقراره وانعكاس ذلك على مستوى  الأسعار في العالم  و سلاسل الإمداد وأسوق  النفط والطاقة العالمية ،

في ظل الغياب اللافت للأمم المتحدة ، لأن أي تهديد لحرية الملاحة في أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي يجب أن يُعالج ضمن إطار قانوني دولي، لا عبر سيطرة أو  توازنات القوة وحدها.

ونظريًا يستطيع  مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة التدخل وفقا للفصل السابع  من ميثاق الأمم المتحدة  ضد أي طرف يهدد السلم الدولي أو يعطل الملاحة، سواء  أكان إيران أو حتى أمريكا  كقوة كبرى تستخدم نفوذها العسكري والاقتصادي لفرض سيطرة فعلية على الممر.

ولكن  من المؤسف أن الواقع السياسي يجعل تطبيق القانون الدولي انتقائيًا بسبب حق “الفيتو” وموازين القوى، وهيمنة الدول الكبرى على القرار الدولي من  مجلس الأمن والذي يمثل شللا للمنظمة الدولية

ولذلك  مجلس الأمن بسبب الفيتو، يتيح  نقل القضية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ، باعتبار أن أزمة مضيق هرمز ليست مجرد خلاف بين أمريكا وإيران، بل اختبار حقيقي لفعالية القانون الدولي، ولمستقبل النظام البحري العالمي، ولمدى قدرة الأمم المتحدة على حماية الممرات الدولية بعيدًا عن منطق الهيمنة وأساليب القرصنة

لأن الحقائق تؤكد أن  إيران لا تملك حق احتكار المضيق، ولا الولايات المتحدة تملك تفويضًا دائمًا لإدارته عسكريًا،

ويبقى الحل الأكثر توازنًا هو تحرك دولي كما تحاول الآن فرنسا وبريطانيا وإيطاليا  وألمانيا و40 دولة أخرى تشارك فيه الدول الساحلية، إيران وسلطنة عمان وتدعمه الأمم المتحدة،

ورغم أن قرارات الجمعية العامة ليست ملزمة بالقوة نفسها، فإنها تحمل شرعية سياسية وأخلاقية، وتمنح الدول الصغيرة والمتوسطة مساحة لكسر احتكار القوى الكبرى للمنظمة الدولية.

ولذلك  وسط هذا الاستقطاب لا يجب أن  يتم تجاهل الدور الطبيعي لـ سلطنة عُمان ، لأنها دولة أساسية تشترك جغرافيًا وقانونيًا في مضيق هرمز  

خاصة أن السلطنة تاريخيًا  قد حافظت على سياسة متوازنة، وعلاقات مفتوحة مع مختلف الأطراف، وتقوم بدور وساطة هادئ ساهم مرارًا في تخفيف التوترات الإقليمية

وسلطنة عمان ليست مجرد دولة مجاورة، بل دولة سيادية مطلة على المضيق وشريك جغرافي وقانوني مباشر فيه خصوصًا عبر شبه جزيرة مسندم التي تتحكم في جزء استراتيجي من الممر البحري، ولا أدري لماذا يتم تجاهل هذه النقطة سياسيًا وإعلاميًا؟

كما لعبت السلطنة  دور الوساطة في  اتصال غير مباشر  بين واشنطن وطهران ، ولذلك فإن أي تصور مستقبلي لاستقرار هرمز يصعب أن ينجح دون دور عماني

ومن هنا يمكن أن تكون عُمان بالتعاون دول الخليج طرفًا محوريًا في أي مشروع يحقق الأمن الإقليمي  من خلال  الترتيبات الدولية المتوازنة، التي تضمن حرية الملاحة دون تحويل المضيق إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى الكبرى أو منطقة نفوذ دائم لأي قوة لفرض إرادتهما عليه

——————

*mohmeedosman@ yahoo.com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com