
«خطاب الإعلام العُماني.. شاهد عيان» ..

عندما يتحول الإعلام إلى وثيقة حضارية وشهادة على النهضة
طريق المستقبل – محمد محمود عثمان:


شكرا لزميلنا العزيز الكاتب الصحفي المصري الدكتور مجدي العفيفي الذي زاملنا لأكثر من عقدين بسلطنة عمان ، حبث عشنا وتعايشنا معا تجربة الإعلام العماني بكل أطروحاتها
ولا أملك إلا أن أقدم هذه الرؤية حول إصداره الجديد كوثيقة من شاهد عيان مارس وتمرس على فنون الكتابة والإعلام لسنوات طوال ،ليستفيد منها الجميع ، من يتفق أو يختلف معها ،على الرغم من أنها تجربة ثرية بمعنى الكلمة ولعلنا نستفيد منها جميعا لأنها تعبير عن واقع وروح المجتمع العماني والطفرات والتحولات التي تمت من خلال الإندماج الكامل بين عواطف ومشاعر المؤلف والنهضة العمانية الحديثة لأنه :
ليس من السهل أن يكتب صحفي ومفكر وأكاديمي عن تجربة عاشها بكل جوارحه، وتحرك داخل تفاصيلها اليومية لعقود طويلة، ثم ينجح في أن يحافظ على المسافة الدقيقة بين حرارة العاطفة وبرودة المنهج.
لكن الدكتور مجدي العفيفي يحاول في كتابه الجديد «خطاب الإعلام العُماني.. شاهد عيان» أن يحقق هذه المعادلة الصعبة، مقدمًا نصًا يتجاوز حدود التأريخ للإعلام، ليصبح شهادة حضارية على تجربة النهضة العُمانية الحديثة.
هذا الكتاب لا يكتفي بقراءة الصحافة والإعلام بوصفهما أدوات اتصال، بل ينظر إليهما باعتبارهما تعبيرًا عن روح المجتمع، وصورة لتحولات الدولة، ومرآة للوعي الجمعي في لحظة تاريخية فارقة.
منذ الصفحات الأولى، يشعر القارئ أنه لا يقرأ بحثًا أكاديميًا جافًا، وإنما يدخل إلى عالم ممتد من الذاكرة والخبرة والمعايشة الحية.
فالمؤلف ليس مجرد باحث جمع الوثائق ورتب الوقائع، بل شاهد عيان عاش التجربة من الداخل، منذ أن استقر في سلطنة عُمان مطلع الثمانينيات، بعد سنوات قليلة من انطلاق النهضة الحديثة.
ولعل هذا ما أشار إليه الدكتور حمد بن محمد الضوياني، رئيس هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، في تقديمه المهم للكتاب، حين وصفه بأنه «وثيقة فكرية» و«جزء من مشروع الذاكرة الوطنية»، مؤكدًا أن الإعلام، شأنه شأن الوثائق الرسمية، يحفظ نبض المجتمع وصورته وتحولاته.
تكمن فرادة الكتاب في أن مؤلفه يجمع بين ثلاثة أبعاد قلما تجتمع بهذا العمق في شخصية واحدة: الصحفي الممارس، والمفكر المنشغل بأسئلة الحضارة والثقافة، والأكاديمي الذي يمتلك أدوات التحليل والنقد.
بدأت رحلة الدكتور مجدي العفيفي المهنية في مؤسسة «دار أخبار اليوم» المصرية عام 1976، قبل أن تتوسع تجربته عبر مساحات عربية ودولية متعددة.
لكنه في عُمان لم يكن مجرد صحفي وافد يؤدي مهمة مهنية، بل تحول مع الزمن إلى أحد الأسماء المرتبطة بالمشهد الثقافي والإعلامي العُماني.
عمل في صحف ومجلات ومؤسسات إعلامية عديدة، من بينها «الوطن» و«عُمان» و«الشبيبة» و«السراج» و«المرأة العُمانية»، كما شارك في تأسيس قناة «مجان» الفضائية، وأسهم في إعداد البرامج والأفلام الوثائقية وكتابة نصوص المناسبات الوطنية.
هذا الحضور المهني الواسع منحه قدرة استثنائية على قراءة الإعلام العُماني من الداخل، لا بوصفه مؤسسات وأخبارًا وعناوين فقط، بل باعتباره خطابًا يتقاطع فيه السياسي والثقافي والاجتماعي والإنساني.
ويبدو واضحًا أن المؤلف أراد أن يجعل من الكتاب رحلة فكرية تتجاوز السرد التقليدي. لذلك يبدأ بسؤال فلسفي عريض: «في أي عصر من التاريخ نحن نعيش؟»، وكأنه يريد أن يضع الإعلام ضمن سياقه الحضاري العالمي، لا داخل حدود محلية ضيقة.
ومن هذا المدخل، ينتقل إلى تتبع مراحل التأصيل والتأسيس والتحولات، كاشفًا كيف انتقل الإعلام العُماني من بدايات متواضعة إلى منظومة حديثة تواكب العصر الرقمي.
لكن القيمة الحقيقية للكتاب لا تكمن فقط في رصد التحولات المؤسساتية، بل في رؤيته للإعلام بوصفه رسالة أخلاقية وإنسانية.
ففي فصل «إنسانية الإنسان وأنسنة الإعلام» يطرح المؤلف تصورًا للإعلام يتجاوز الإثارة والاستهلاك السريع، ليصبح أداة لبناء الوعي وتعزيز الكرامة الإنسانية.
كما يتوقف عند صورة عُمان في الإعلام الدولي، موضحًا كيف نجحت السلطنة في تقديم نموذج مختلف قائم على السلام والتوازن والحكمة السياسية، وكيف انعكس ذلك في التغطيات العالمية.
ومن أبرز محاور الكتاب أيضًا تحليله للتحولات الرقمية، حيث يناقش الإعلام الإلكتروني باعتباره «عصب المعلومات العالمية»، ويرصد تأثير التكنولوجيا على طبيعة الرسالة الإعلامية وأدواتها وسرعة انتشارها.
ولا يغفل المؤلف الجانب التشريعي، إذ يخصص فصلًا لتحليل قانون الإعلام العُماني الصادر عام 2024، معتبرًا أنه يمثل انتقالًا من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التنظيم المتقدم، بما ينسجم مع التحولات الإقليمية والدولية.
غير أن ما يمنح الكتاب بعده الإنساني العميق هو تلك اللغة التي يكتب بها الدكتور العفيفي، حيث تمتزج الخبرة المهنية بالنبرة التأملية.
فهو لا يتحدث عن الإعلام كموضوع خارجي، بل كجزء من سيرته الذاتية والوجدانية.
حين يقول إنه عاش «اشتباك الأشواك بالأوراق»، أو حين يصف نفسه بأنه «شاهد وشهيد» على التحولات الكبرى، فإنه يكشف عن طبيعة العلاقة العضوية التي ربطته بالمشهد الإعلامي والثقافي في الخليج والمنطقة العربية.
لقد كتب الدكتور العفيفي عشرات الكتب وآلاف المقالات، وأسهم في صياغة صورة عُمان إعلاميًا وثقافيًا في العديد من الصحف والمجلات العربية والدولية.
لذلك يبدو هذا الكتاب وكأنه خلاصة رحلة طويلة من المعايشة والتأمل والاشتباك الفكري.
إن «خطاب الإعلام العُماني.. شاهد عيان» ليس مجرد كتاب عن الإعلام، بل نص عن الذاكرة والهوية والتحولات الكبرى، وعن الكلمة حين تتحول إلى فعل حضاري.
وإذا كان الإعلام في جوهره تسجيلًا للحظة العابرة، فإن هذا الكتاب يحاول أن يمنح تلك اللحظة معنى أبقى، وأن يحول التجربة الإعلامية إلى وثيقة معرفية تحفظ للأجيال القادمة صورة مرحلة كاملة من تاريخ عُمان الحديث.
لهذا، فإن الكتاب يستحق أن يُقرأ لا من جانب المتخصصين في الإعلام فقط، بل من كل مهتم بتاريخ النهضة العُمانية، وبالتحولات الثقافية والفكرية في الخليج والعالم العربي.
وتتضاعف أهمية هذا النوع من الكتب حين يجد مؤسسات وطنية تمتلك وعيًا عميقًا بقيمة الذاكرة ودور التوثيق في حماية الهوية الحضارية للأمم.
ومن هنا يبرز الدور الرائد الذي تقوم به هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية في سلطنة عُمان، بوصفها مؤسسة تتجاوز حدود العمل الأرشيفي التقليدي إلى مشروع ثقافي ومعرفي متكامل.
فالهيئة لا تحفظ الوثائق باعتبارها أوراقًا جامدة، بل باعتبارها روح الأمة وذاكرتها الحية، ولذلك أولت اهتمامًا خاصًا بالدراسات الفكرية والإعلامية والثقافية التي توثق التحولات الكبرى في المجتمع العُماني، وتكشف كيف تشكلت السردية الوطنية عبر الزمن.
ولعلّ احتضانها لكتاب «خطاب الإعلام العُماني.. شاهد عيان» يكشف عن إدراك متقدم للعلاقة العضوية بين الإعلام والوثيقة؛ فكلاهما يسجل لحظة الحاضر ليمنحها القدرة على العبور إلى المستقبل.
فالإعلام، حين يُقرأ بعد عقود، يتحول إلى وثيقة حضارية تكشف طبيعة العصر وملامح المجتمع وأسلوب تفكير الدولة.
لقد استطاعت الهيئة، من خلال مؤتمراتها وإصداراتها وشراكاتها الإقليمية والدولية، أن ترسخ مكانتها بوصفها واحدة من أهم المؤسسات المعرفية في العالم العربي، وأن تؤكد أن حماية الوثيقة ليست عملًا إداريًا فحسب، بل مسؤولية وطنية وثقافية وأخلاقية، لأنّ الأمم التي تفقد ذاكرتها تصبح أكثر عرضة للتشويه والنسيان.
@@@@

